09-Jul-2026 5 دقائق قراءة

فرنسا تعلن استعدادها للمساهمة في إصلاح القطاع المصرفي السوري لدعم الاستثمار وإعادة الإعمار

أعلنت فرنسا استعدادها للانخراط في مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي مع سوريا، تشمل دعم إصلاح القطاع المصرفي وتوسيع الشراكة في ملفات إعادة الإعمار والطاقة والبنية التحتية.

أعلنت فرنسا استعدادها للمساهمة في مسار إصلاح القطاع المصرفي السوري، في خطوة تعكس توجهاً جديداً نحو توسيع التعاون الاقتصادي بين باريس ودمشق، بالتوازي مع التحضيرات لمرحلة إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات إلى قطاعات حيوية.

وجاءت التصريحات الفرنسية بعد لقاء جمع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق، حيث أكد ماكرون أن العلاقات بين البلدين يمكن أن تدخل مرحلة مختلفة تقوم على بناء الثقة وتفعيل الشراكة الاقتصادية، بدلاً من الاكتفاء بالتفاهمات السياسية العامة.

وأشار ماكرون إلى أن سوريا تمر بمرحلة شديدة التعقيد، لكنها في الوقت نفسه تملك فرصاً اقتصادية يمكن أن تُترجم إلى مشاريع عملية إذا توفرت أطر تعاون واضحة ومشاركة أوسع من الأطراف الإقليمية والدولية.

لجان اقتصادية لمتابعة ملفات إعادة الإعمار

وبحسب ما أعلنه الرئيس الفرنسي، اتفقت باريس ودمشق على تشكيل لجان اقتصادية مشتركة موسعة تتولى دراسة أولويات إعادة الإعمار وتحديد المجالات التي يمكن أن تبدأ فيها الشراكة بسرعة، مع فتح المجال أمام مساهمات من دول خليجية وشركاء دوليين آخرين.

ويعكس هذا التوجه رغبة فرنسية في الانتقال من مستوى التصريحات السياسية إلى آليات متابعة محددة، بحيث تصبح ملفات مثل التمويل والبنية التحتية والطاقة والقطاعات الإنتاجية جزءاً من جدول أعمال اقتصادي منظم.

وتأتي أهمية هذه اللجان من كونها قد تشكل إطاراً تنسيقياً ضرورياً لتحديد المشاريع القابلة للتنفيذ، وترتيب أولويات التمويل، وقياس مدى جاهزية البيئة التنظيمية والقانونية المطلوبة لبدء أي استثمار واسع النطاق.

القطاع المصرفي في قلب أي انفتاح اقتصادي

وأبرز ما في الموقف الفرنسي هو تركيزه على القطاع المصرفي السوري، إذ ترى باريس أن إصلاح هذا القطاع يمثل مدخلاً أساسياً لإعادة تشغيل الدورة الاقتصادية، وتسهيل حركة رأس المال، وتوفير قنوات آمنة للمستثمرين المحليين والأجانب.

فالقطاع المصرفي لا يقتصر دوره على الخدمات المالية التقليدية، بل يشكل البنية التي تستند إليها عمليات التمويل والتسويات والتحويلات والائتمان، وهي عناصر حاسمة لأي عملية إعادة إعمار أو توسع في النشاط الإنتاجي.

وفي الاقتصادات الخارجة من الصراعات، غالباً ما يكون إصلاح البنوك والرقابة المالية وإعادة بناء الثقة في النظام المصرفي شرطاً أولياً قبل دخول الاستثمارات الكبيرة، وهو ما يفسر اهتمام باريس بهذا الملف في المرحلة الحالية.

فرص في الطاقة والبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية

إلى جانب المصارف، تحدثت فرنسا عن رغبتها في المشاركة بمجالات الطاقة والبنية التحتية والأنشطة الإنتاجية، وهي قطاعات تُعد الأكثر حاجة إلى تمويل طويل الأجل وخبرة تقنية واسعة في مرحلة التعافي الاقتصادي.

وتحتاج مشاريع الطاقة إلى استثمارات في التوليد والنقل والتوزيع، بينما تتطلب البنية التحتية برامج لإعادة تأهيل الطرق والجسور والمرافق العامة وشبكات الخدمات. أما القطاعات الإنتاجية، فتشمل الصناعات الغذائية والدوائية والتحويلية وغيرها من الأنشطة التي يمكن أن تعيد خلق فرص العمل وتدعم العرض المحلي.

ويبدو أن الرهان الفرنسي يقوم على أن أي تحسن في هذه القطاعات قد يساهم في تحريك الاقتصاد السوري تدريجياً، ويفتح الباب أمام بيئة أعمال أكثر استقراراً، وهو ما يرفع جاذبية السوق أمام الشركات والممولين.

دور محتمل للدول الخليجية والشركاء الدوليين

لفتت التصريحات الفرنسية أيضاً إلى أهمية مشاركة أطراف إقليمية ودولية، بما في ذلك دول خليجية يمكن أن تلعب دوراً في دعم المشاريع المستقبلية، سواء عبر التمويل أو عبر الخبرة في إدارة ملفات الإعمار والتنمية.

ويعني ذلك أن باريس لا تنظر إلى الملف السوري كعلاقة ثنائية فقط، بل كمسار اقتصادي متعدد الأطراف يحتاج إلى تنسيق سياسي وتمويلي أوسع، خاصة في المشاريع الكبرى التي يصعب تنفيذها بموارد محدودة أو عبر جهة واحدة.

كما أن إشراك جهات مختلفة قد يساعد على توزيع المخاطر، وزيادة فرص النجاح، وخلق بيئة أكثر قبولاً للمستثمرين الذين يراقبون عادة مستوى الالتزام السياسي والقانوني قبل اتخاذ قرارات الدخول إلى أي سوق جديدة.

إعادة الإعمار تبدأ من الثقة والتنظيم

أكد ماكرون أن المرحلة المقبلة يجب أن تُبنى على خطوات عملية تحول التفاهمات إلى مشاريع ملموسة. وهذه الإشارة تحمل دلالة اقتصادية واضحة، لأن أي عملية إعادة إعمار لا تعتمد فقط على توفر الأموال، بل على وجود ثقة متبادلة، وقواعد عمل شفافة، وهيكل إداري قادر على إنجاز المشاريع ومتابعتها.

كما أن جذب الاستثمارات يتطلب وضوحاً في التشريعات، وإجراءات مصرفية فعالة، وآليات للتعاقد والتحكيم، إضافة إلى قدرة المؤسسات على ضمان استقرار نسبي في بيئة الأعمال. من دون هذه العناصر، قد تبقى المشاريع المقترحة في نطاق الوعود أو الدراسات الأولية.

وفي هذا السياق، يصبح إصلاح الجهاز المصرفي جزءاً من عملية أوسع تشمل تحديث الإطار المالي والاقتصادي، وتسهيل تمويل المشاريع، وتخفيف العوائق أمام الشركات الراغبة في دخول السوق السورية.

ما الذي يعنيه ذلك للاقتصاد السوري؟

إذا تحولت هذه التصريحات إلى خطوات تنفيذية، فقد تستفيد سوريا من تدفق خبرات وتمويلات وشراكات جديدة في قطاعات تعاني من ضغط كبير بعد سنوات من التراجع. كما أن إحياء العلاقات الاقتصادية مع دولة أوروبية كفرنسا قد يرسل إشارة إيجابية للأسواق حول إمكانية انفتاح تدريجي أوسع.

لكن الأثر الفعلي سيبقى مرتبطاً بسرعة تشكيل اللجان المشتركة، وبقدرة الأطراف المعنية على تحديد مشاريع قابلة للتنفيذ، وبمدى توفر بيئة قانونية ومصرفية تسمح بالانتقال من النوايا إلى الاستثمار الفعلي.

وفي ظل الحاجة الواسعة إلى إعادة بناء القطاعات الخدمية والاقتصادية، تبدو أي مبادرة تستهدف المصارف أو البنية التحتية أو الطاقة ذات أهمية خاصة، لأنها تمس البنية الأساسية لأي تعافٍ اقتصادي مستدام.