ارتداد محدود بعد ضغوط بيعية قوية
شهدت أسعار الذهب تعافياً في التعاملات المبكرة يوم الخميس، بعدما لامست أدنى مستوياتها في ستة أشهر خلال الجلسة نفسها، في حركة عززتها عمليات شراء انتقائية وتغطية مراكز بيعية مفتوحة. وجاء هذا الارتداد في وقت يراقب فيه المستثمرون سلسلة من البيانات الأميركية التي قد تحدد اتجاه السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة.
وارتفع الذهب في السوق الفورية بنسبة 0.4 في المائة ليصل إلى 4089.12 دولار للأوقية، بعدما هبط في وقت سابق إلى 4022.09 دولار، وهو أدنى مستوى له منذ أواخر نوفمبر. وفي المقابل، تراجعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم أغسطس بنسبة 0.5 في المائة إلى 4111.10 دولار، ما يعكس استمرار التذبذب في شهية المستثمرين تجاه المعدن الأصفر.
وبحسب محللين، فإن اقتراب السعر من مستوى 4000 دولار شكّل نقطة دعم نفسية وفنية مهمة، دفعت بعض المتعاملين إلى جني الأرباح من رهاناتهم الهبوطية، كما شجعت مستثمرين كانوا قد خرجوا من السوق على العودة تدريجياً بعد موجة البيع الأخيرة.
بيانات التضخم تضع الفيدرالي تحت المجهر
تأتي حركة الذهب في وقت حساس للأسواق، مع ترقب صدور بيانات مؤشر أسعار المنتجين في الولايات المتحدة، بعد يوم واحد من إعلان قراءة التضخم الاستهلاكي لشهر مايو التي أظهرت تسارعاً في وتيرة ارتفاع الأسعار إلى أعلى مستوى في ثلاث سنوات. وقد عزز ذلك النقاش حول مدى قدرة الاقتصاد الأميركي على استيعاب تشديد نقدي إضافي من مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
ورغم أن الذهب يُنظر إليه تقليدياً كأداة تحوط ضد التضخم، فإن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة يظل عاملاً ضاغطاً عليه، لأنه لا يدر عائداً دورياً مثل السندات أو بعض أدوات الدخل الثابت. لذلك، فإن أي إشارات إلى بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول قد تحد من زخم الصعود في الأجل القريب.
وتشير تسعيرات العقود الآجلة إلى أن المتعاملين لا يزالون يرون احتمالاً كبيراً لرفع أسعار الفائدة الأميركية بحلول ديسمبر، وهو ما يبقي المستثمرين في حالة ترقب حذرة قبل اتخاذ قرارات استثمارية أكبر في سوق المعادن النفيسة.
الدولار ومؤشراته الفنية يحددان مسار التداول
أشار محللون إلى أن أداء الدولار الأميركي يلعب دوراً محورياً في تحركات الذهب. فبعد صدور بيانات التضخم الاستهلاكي، لم ينجح مؤشر الدولار في مواصلة مكاسبه، وهو ما قلل الضغط على الذهب وفتح المجال أمام ارتداد فني محدود.
ويرى مراقبون أن غياب مفاجآت سلبية كبيرة في بيانات المنتجين قد يمنح المعدن النفيس مساحة إضافية للتماسك فوق مستوى الدعم الفني الحالي. لكن في المقابل، فإن صدور قراءات أقوى من المتوقع قد ينعش الرهانات على بقاء الفائدة مرتفعة، ويعيد الضغط على أسعار الذهب مجدداً.
وتحرك المعدن الأصفر خلال الأسابيع الماضية ضمن نطاق واسع تأثر بتقلبات توقعات السياسة النقدية الأميركية، إلى جانب صعود الدولار وهبوطه، في مشهد يعكس حساسية السوق العالية تجاه البيانات الكلية.
التوترات الجيوسياسية تضيف طبقة جديدة من عدم اليقين
إلى جانب العوامل النقدية، لا تزال التطورات الجيوسياسية تمثل دعماً معنوياً للذهب، خصوصاً مع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط وتبدلات المشهد المرتبط بإمدادات الطاقة. وقد دفع ذلك بعض المستثمرين إلى الاحتفاظ بجزء من مراكزهم في المعادن النفيسة كوسيلة تحوّط من المخاطر.
وفي بيئة تتسم بارتفاع الأسعار واضطراب أسواق الطاقة، يميل المستثمرون إلى تنويع محافظهم نحو أصول أكثر أماناً. غير أن هذا الدعم يبقى جزئياً ما لم يقترن بانخفاض حاد في العوائد الحقيقية أو بتراجع ملحوظ في الدولار، وهما عاملان عادة ما يمنحان الذهب دفعة أقوى.
كما أن التوقعات بشأن مستقبل أسعار الطاقة والتضخم في الولايات المتحدة وأوروبا تظل من العناصر الحاسمة في تحديد مسار الطلب على الذهب خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل رهان الأسواق على استمرار التشديد النقدي في عدد من الاقتصادات الكبرى.
تحركات المعادن الأخرى تعكس حذر المستثمرين
لم يكن الذهب الوحيد الذي تحرك في أسواق المعادن النفيسة، إذ سجلت الفضة ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة لتصل إلى 63.86 دولار للأوقية. كما صعد البلاتين بنسبة 0.6 في المائة إلى 1673.75 دولار، بينما قفز البالاديوم بنسبة 2.2 في المائة ليصل إلى 1239.89 دولار.
وتشير هذه التحركات المتباينة إلى أن المستثمرين ما زالوا يتعاملون بحذر مع القطاع بأكمله، في ظل مزيج من الضغوط التضخمية، وتوقعات السياسة النقدية، ومخاطر الجغرافيا السياسية. وبينما تبدو بعض المعادن مدعومة بتحسن مؤقت في الطلب، يظل الاتجاه العام مرتبطاً بقدرة الأسواق على استيعاب البيانات الأميركية الجديدة.
ما الذي ينتظره المستثمرون بعد ذلك؟
تتركز الأنظار الآن على صدور بيانات أسعار المنتجين في الولايات المتحدة وما إذا كانت ستؤكد استمرار الضغوط التضخمية أو توحي بأن ذروة الارتفاع السعري باتت أقرب. وفي الحالتين، ستكون النتيجة مؤثرة مباشرة في توقعات الفائدة وفي سلوك المستثمرين تجاه الذهب.
فإذا عززت البيانات الرهان على تشديد نقدي إضافي، فقد يظل الذهب تحت ضغط في الأجل القصير. أما إذا أظهرت الأرقام تباطؤاً أو جاءت أقل من المتوقع، فقد يجد المعدن الأصفر فرصة أفضل للتماسك واستعادة جزء من خسائره الأخيرة.
وبين هذه العوامل المتعارضة، يبقى الذهب في مرحلة اختبار دقيقة، يتأرجح فيها بين كونه ملاذاً آمناً في أوقات الاضطراب، وأصلاً مالياً يتأثر بشدة بعوائد السندات وقوة الدولار وتوقعات الفائدة.