10-Jul-2026 5 دقائق قراءة

الاتحاد الدولي للنقل الجوي: وقود الطائرات المستدام يظل مرتفع التكلفة ومحدود الإمدادات

حذّر الاتحاد الدولي للنقل الجوي من أن وقود الطائرات المستدام ما زال بعيداً عن تلبية احتياجات قطاع الطيران بسبب ارتفاع تكلفته وندرة كمياته، رغم توسع الاهتمام العالمي بخفض الانبعاثات. وتشير التقديرات إلى أن الإنتاج المتوقع في 2026 سيغطي أقل من 1% من استهلاك شركات الطيران.

في وقت تتسارع فيه ضغوط خفض الانبعاثات داخل قطاع الطيران، ما زال وقود الطائرات المستدام يواجه عقبتين أساسيتين: الكلفة المرتفعة والندرة في الإمدادات. هذا الواقع يضع شركات الطيران أمام معادلة معقدة، إذ تحتاج إلى بدائل أقل تلويثاً، لكن السوق الحالية لا توفر الكميات اللازمة ولا الأسعار التي تسمح بالتوسع السريع.

وخلال مؤتمر عُقد في البرازيل، أوضح الاتحاد الدولي للنقل الجوي أن هذا النوع من الوقود لا يزال بعيداً عن أن يكون حلاً واسع النطاق في المدى القريب. وتقديراته تشير إلى أن الإنتاج العالمي المتوقع في عام 2026 سيصل إلى نحو 2.4 مليون طن فقط، وهو ما يعادل 0.8 في المائة تقريباً من استهلاك شركات الطيران.

هذه النسبة المحدودة تعني أن أثر الوقود المستدام على إجمالي الانبعاثات سيظل، في الوقت الراهن، محدوداً جداً مقارنة بحجم الاستهلاك الفعلي لقطاع الطيران العالمي. كما أنها تكشف أن الفجوة بين الطموحات المناخية والقدرة الصناعية ما زالت واسعة، رغم ما يحظى به الملف من اهتمام سياسي ومالي متزايد.

قطاع الطيران يبحث عن بدائل عملية

يمثل الوقود المستدام بالنسبة لشركات الطيران أحد المسارات الأساسية لتقليص البصمة الكربونية، خصوصاً في ظل صعوبة الاعتماد الكامل على التقنيات الكهربائية أو الهيدروجينية في الرحلات الطويلة. لذلك ينظر إليه كثير من الفاعلين في الصناعة بوصفه جسراً انتقالياً بين الوقود التقليدي والحلول المستقبلية.

لكن الاتحاد الدولي للنقل الجوي أشار بوضوح إلى أن هذا المسار لا يزال مكلفاً للغاية. فالسعر المرتفع لا يرتبط فقط بتكلفة الإنتاج، بل أيضاً بندرة المواد الخام اللازمة لتصنيعه، وصعوبة بناء سلاسل توريد مستقرة قادرة على توفير كميات كبيرة على نحو منتظم.

وقال الاتحاد إن عام 2026 قد يكون عاماً آخر مخيباً للآمال من حيث التوسع في الإنتاج. وتأتي هذه النبرة الحذرة في وقت ترتفع فيه الضغوط على شركات الطيران، سواء من الجهات التنظيمية أو من المسافرين والمؤسسات الاستثمارية التي تراقب التقدم في ملفات الاستدامة والحوكمة البيئية.

الأسعار المرتفعة تعرقل التوسع

من أبرز العوائق التي تواجه السوق أن تكلفة الوقود المستدام ما زالت أعلى بكثير من وقود الطائرات التقليدي. وبالنسبة لشركات الطيران، فإن أي تحوّل سريع نحو هذا النوع من الوقود يعني زيادة مباشرة في النفقات التشغيلية، في قطاع يعمل أصلاً بهوامش ربح محدودة ويتأثر سريعاً بتقلبات أسعار الطاقة.

وأشار المدير العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي، ويلي والش، إلى أن الأحداث الجيوسياسية الأخيرة لم تؤدِ حتى الآن إلى تسريع حل مشكلة الإمدادات. فحتى الارتفاع الحاد في أسعار الوقود التقليدي بسبب الحرب المستمرة في الشرق الأوسط لم يتحول إلى حافز كافٍ لبناء سوق فعالة للوقود المستدام.

وبحسب هذا الطرح، فإن سوق الوقود المستدام لا تزال بحاجة إلى مجموعة أوضح من الحوافز الاقتصادية والتنظيمية، سواء عبر الدعم الحكومي، أو آليات التسعير الكربوني، أو الاستثمار في البنية التحتية الإنتاجية والنقل والتوزيع.

البرازيل تبرز كحالة واعدة

اختيار البرازيل لاستضافة المؤتمر لم يكن تفصيلاً عابراً، إذ يراها الاتحاد الدولي للنقل الجوي مثالاً على دولة تمتلك إمكانات كبيرة غير مستغلة في هذا المجال. وتستند هذه الرؤية إلى توفر مواد خام يمكن استخدامها في إنتاج الوقود المستدام، إلى جانب قاعدة زراعية وصناعية قد تساعد على تطوير سلسلة قيمة محلية.

وذكرت بريتي جاين، المسؤولة عن أبحاث الحياد الكربوني في الاتحاد، أن لدى البرازيل طاقة كبيرة يمكن تحويلها إلى إنتاج فعلي إذا توفرت البيئة الاستثمارية والتنظيمية المناسبة. وأشارت إلى أن البلاد قد تمتلك بحلول 2030 نحو 120 مليون طن من المواد الخام المحتملة لإنتاج وقود الطائرات المستدام.

هذا الرقم يعكس فرصة اقتصادية قد تتجاوز قطاع الطيران نفسه، ليمتد أثرها إلى الزراعة والتصنيع والنقل والخدمات اللوجستية. لكن تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاج تجاري واسع يتطلب استثمارات ضخمة، وضوحاً في السياسات، وقدرة على ربط المزارعين والمصانع والموزعين في منظومة متكاملة.

مواد خام من المخلفات بدل النفط

الفارق الأساسي بين وقود الطائرات التقليدي والمستدام يكمن في مصدر المادة الأولية. فالوقود التقليدي يعتمد على النفط الخام، بينما يُنتج الوقود المستدام من مخلفات الطعام، والمخلفات الزراعية، وزيت الطهي المستخدم، وهي مواد يمكن أن تمنح القطاع مساراً أقل اعتماداً على المصادر الأحفورية.

ورغم أن هذا التنوع في المواد الخام يمنح الوقود المستدام ميزة بيئية واضحة، فإنه يخلق أيضاً تحديات تشغيلية. فجمع هذه المخلفات وفرزها ومعالجتها وتحويلها إلى وقود صالح للاستخدام في الطائرات يتطلب منظومات صناعية معقدة، إضافة إلى معايير صارمة للجودة والسلامة.

كما أن الاعتماد على مواد متفرقة ومنتشرة جغرافياً يجعل التوسع في الإنتاج رهيناً بوجود شبكات توريد فعالة، وهو ما لا يتوافر حتى الآن بالسرعة المطلوبة. ومن هنا تبدو ندرة الوقود المستدام انعكاساً مباشراً لضعف البنية الصناعية أكثر من كونها مشكلة تقنية فقط.

ما الذي يعنيه ذلك لسوق الطيران؟

بالنسبة لشركات الطيران، يوضح هذا المشهد أن مسار التحول نحو صافي انبعاثات أقل لن يكون سريعاً أو سهلاً. فالاعتماد على الوقود المستدام سيظل محدوداً في السنوات القليلة المقبلة، ما يعني أن القطاع سيواصل البحث عن مزيج من الحلول، من تحسين كفاءة الأساطيل إلى تحديث أنظمة التشغيل وإدارة المسارات واستخدام وقود أقل كثافة كربونية.

وفي المدى المتوسط، قد تلعب السياسات العامة دوراً حاسماً في تسريع الاستثمار. فإذا لم تتوفر حوافز مالية وتشريعية أكثر وضوحاً، فمن المرجح أن يبقى الإنتاج عند مستويات لا تلبي احتياجات السوق، حتى مع تزايد الطلب على حلول أقل ضرراً بالمناخ.

الخلاصة التي خرج بها الاتحاد الدولي للنقل الجوي واضحة: الهدف المناخي في الطيران يظل قائماً، لكن أدوات تنفيذه ما زالت غير كافية. وبين ارتفاع التكاليف، وضعف الإمدادات، والحاجة إلى استثمارات جديدة، يبقى وقود الطائرات المستدام وعداً مهماً أكثر من كونه حلاً جاهزاً على نطاق واسع.