خفض البنك الدولي تقديراته لنمو الاقتصاد العالمي خلال العام الجاري إلى 2.5%، في إشارة جديدة إلى استمرار الضغوط التي تواجه النشاط الاقتصادي الدولي بعد سنوات من التقلبات المرتبطة بالتضخم وأسعار الفائدة واضطرابات الإمداد. ويأتي هذا التعديل بعد أن كانت التوقعات السابقة أعلى بقليل، فيما يظل المعدل الجديد دون مستوى العام الماضي البالغ 2.9%.
ويعكس هذا التراجع، بحسب تقديرات المؤسسة الدولية التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، مزيجاً من العوامل السلبية التي لا تزال تؤثر في الأسواق، وفي مقدمتها ارتفاع الأسعار واتساع كلفة الطاقة. كما يرى البنك أن توقفاً شبه كامل في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز خلال الحرب ساهم في زيادة الضغط على الإمدادات العالمية، في وقت يمر عبر هذا الممر الاستراتيجي نحو 20% من صادرات النفط في الظروف العادية.
وتبرز تداعيات هذه التطورات بوضوح في الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء، لكن العبء الأكبر يقع على الشرائح الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. ففي الدول الغنية، ينعكس ارتفاع أسعار الوقود على المستهلكين مباشرة عبر تكاليف النقل والتدفئة والإنتاج، بينما تواجه الدول الفقيرة مخاطر أوسع تتصل بقدرتها على تمويل الواردات والحفاظ على استقرار أسعار الغذاء والطاقة.
ضغوط أشد على الاقتصادات الأضعف
يحذر البنك الدولي من أن التأثيرات طويلة الأمد لهذه الموجة قد تكون أكثر قسوة على الدول النامية. ووفق التوقعات الجديدة، قد يصبح نحو ربع الدول النامية بحلول نهاية 2026 أفقر مما كانت عليه في عام 2019، ما يعني أن التعافي من صدمات ما قبل الجائحة وما بعدها سيظل غير مكتمل في جزء واسع من العالم.
وفي الدول منخفضة الدخل، تبدو الصورة أكثر هشاشة، إذ قد تصل نسبة الدول التي لا تزال دون مستويات 2019 إلى الثلث بحلول نهاية 2026. أما الدول الهشة والمتأثرة بالنزاعات، فتواجه بدورها ضغوطاً مالية متزايدة، مع توقع تراجع الأوضاع المالية لنحو نصفها بنهاية العام مقارنة بما كانت عليه قبل تفشي جائحة كورونا.
وتشير هذه التقديرات إلى أن التحدي لم يعد مقتصراً على ارتفاع مؤقت في الأسعار، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الحكومات على الحفاظ على الاستقرار المالي والاجتماعي في بيئة عالمية أكثر تقلباً. فكل صدمة جديدة في الطاقة أو الشحن أو سلاسل التوريد تنعكس سريعاً على مستويات الدين والعجز والاستثمار، خاصة في الاقتصادات التي تملك هوامش مالية محدودة.
مساعدات طارئة وتمويل إضافي
في مواجهة هذه الضغوط، أعلن البنك الدولي عن حزمة تحركات عاجلة لدعم الدول المتضررة. وخصص ما بين 20 و25 مليار دولار كمساعدات طارئة بعد اندلاع الأزمة، إلى جانب رصد 50 إلى 60 مليار دولار إضافية لمساندة الدول النامية وتمويل مشاريع زراعية.
وتكتسب هذه الخطوات أهمية خاصة في ظل المخاوف من اتساع أثر الأزمة على الأمن الغذائي والقدرة الشرائية، إذ تمثل الزراعة أحد القطاعات الأكثر حساسية لتقلبات الطاقة والنقل والتضخم. كما أشار البنك إلى أن هذه المخصصات قد تتضاعف خلال 15 شهراً إذا استمرت الأزمة، في دلالة على أن المؤسسة تستعد لاحتمال بقاء الضغوط لفترة أطول مما كان متوقعاً.
ويعكس حجم التمويل المعلن إدراكاً متزايداً لخطورة انتقال الصدمات الجيوسياسية إلى الاقتصاد الحقيقي، حيث لا تتوقف التداعيات عند ارتفاع الأسعار فحسب، بل تمتد إلى الاستثمار والتوظيف والتجارة والقدرة على تمويل التنمية. وفي ظل هذا المشهد، تبدو أولويات الاقتصادات النامية مرتبطة أكثر من أي وقت مضى بتأمين الطاقة والغذاء وتخفيف أثر التضخم على الأسر ذات الدخل المحدود.
الطاقة والتضخم في قلب المشهد الاقتصادي
يؤكد التقرير أن الطاقة ما تزال عاملاً مركزياً في تفسير مسار النمو العالمي. فكل اضطراب في إنتاج النفط أو نقله يرفع تكاليف التشغيل والصناعة والنقل، ثم ينتقل الأثر تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات. ومع استمرار الضبابية السياسية في بعض مناطق الإمداد، تزداد صعوبة التنبؤ بمسار الأسعار خلال الأشهر المقبلة.
كما أن التضخم، حتى بعد تراجعه عن ذرواته السابقة في عدد من الاقتصادات الكبرى، لا يزال يفرض قيوداً على السياسة النقدية والاستثمار والاستهلاك. فارتفاع أسعار الفائدة لفترات طويلة يحد من الاقتراض والاستثمار الخاص، بينما يضغط على الحكومات التي تضطر إلى الموازنة بين دعم النمو وكبح الأسعار.
وفي هذا السياق، يبدو تعديل البنك الدولي للتوقعات مؤشراً إضافياً على أن الاقتصاد العالمي يدخل مرحلة نمو أبطأ وأكثر تفاوتاً، مع اتساع الفجوة بين الدول القادرة على امتصاص الصدمات وتلك التي تعتمد على التمويل الخارجي والمساعدات لتجاوز الأزمات المتلاحقة.
وبينما يترقب المستثمرون وصناع السياسات اتضاح المسار خلال الفترة المقبلة، يظل السؤال الرئيسي مرتبطاً بقدرة الاقتصاد العالمي على استعادة زخم مستدام دون أن تدفعه صدمات الطاقة والتوترات الجيوسياسية إلى مزيد من التباطؤ. وحتى ذلك الحين، تبدو توقعات البنك الدولي إنذاراً مبكراً بأن مرحلة التعافي لا تزال هشة، وأن كلفة عدم الاستقرار الاقتصادي ما زالت تتوزع بشكل غير متكافئ على الدول الأضعف.