تحركت العقود الآجلة للأسهم الأميركية ضمن نطاق محدود في جلسة الخميس، مع دخول المستثمرين في حالة ترقب واضحة لصدور تقرير الوظائف الأميركي لشهر يونيو، وهو تقرير يُنظر إليه على أنه أحد أهم المؤشرات القادرة على توجيه توقعات الأسواق بشأن الخطوة المقبلة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في ملف أسعار الفائدة.
وأظهر الأداء الأولي للأسواق ميلاً إلى الحذر أكثر من الرهان، إذ بقيت المؤشرات الرئيسية قرب مستوياتها السابقة، بينما واصلت أسهم التكنولوجيا والرقائق تشكيل عامل ضغط على المعنويات الاستثمارية، في وقت تتزايد فيه حساسية المتعاملين لأي بيانات جديدة تتعلق بالنمو والتوظيف والتضخم.
تباين محدود في مؤشرات العقود الآجلة
تراجعت العقود الآجلة لمؤشر ناسداك 100 بنحو 0.4 في المائة، في امتداد مباشر للضغوط التي شهدها قطاع التكنولوجيا خلال الجلسة السابقة. أما العقود الآجلة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 فاستقرت تقريباً عند مستويات الإغلاق السابقة، فيما لم تسجل العقود الآجلة لمؤشر داو جونز الصناعي تغيرات كبيرة، مدعومة بتركيبة أقل وزناً لشركات التكنولوجيا مقارنة بالمؤشرات الأخرى.
ويعكس هذا التباين أن المستثمرين لا يواجهون موجة بيع شاملة بقدر ما يواجهون إعادة تموضع انتقائية، تتركز بشكل خاص في أسهم النمو المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والرقائق، وهي فئة تعرضت لضغوط إضافية خلال الأيام الأخيرة.
الرقائق في دائرة الضغط العالمي
امتدت الضغوط إلى الأسواق الآسيوية، حيث شهدت أسهم الرقائق في كوريا الجنوبية موجة هبوط حادة أثرت في المؤشرات المحلية. وانخفض مؤشر كوسبي بنحو 7.9 في المائة، في واحدة من أكبر التراجعات المرتبطة بقطاع أشباه الموصلات خلال الفترة الأخيرة.
وتراجعت أسهم إس كيه هاينكس بأكثر من 14 في المائة، كما فقد سهم سامسونغ إلكترونيكس أكثر من 9 في المائة من قيمته، على الرغم من أن الشركتين أعلنتا في وقت سابق خططاً استثمارية واسعة في مجال الذكاء الاصطناعي. ويشير هذا المسار إلى أن السوق باتت تميّز بين الاستراتيجية طويلة الأجل للشركات وبين تقييمات الأجل القصير التي تتأثر بسرعة بتغيرات المزاج الاستثماري.
كما تعكس حركة البيع في أسهم الرقائق استمرار القلق من ارتفاع التوقعات التي سبقت طفرة الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إلى جانب مخاوف من أن يكون جزء من التقييمات قد سبق بالفعل وتيرة نمو الأرباح الفعلية.
المستثمرون يراقبون إشارات الفيدرالي
تتحرك الأسواق في بيئة مشبعة بالحذر، مع متابعة دقيقة لتصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي وتقديراتهم بشأن التضخم. وقد زاد هذا الحذر بعدما دعا رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، المستثمرين إلى التركيز على البيانات الاقتصادية الفعلية بدلاً من التعويل على التوجيهات المستقبلية، في إشارة إلى أن قرار الفائدة سيبقى رهناً بما تكشفه الأرقام المقبلة.
وفي هذا السياق، يترقب المتعاملون تقرير الوظائف غير الزراعية باعتباره اختباراً عملياً لصحة السوق الأميركية. وتشير التوقعات الحالية إلى أن الاقتصاد قد أضاف نحو 115 ألف وظيفة في يونيو، مع بقاء معدل البطالة عند 4.3 في المائة. وإذا جاءت القراءة أعلى من المتوقع، فقد تعزز الرهانات على احتمال عودة الفيدرالي إلى رفع الفائدة خلال العام الجاري.
أما إذا أظهرت البيانات تباطؤاً أو ضعفاً في التوظيف، فقد تتراجع الضغوط على الأسهم الحساسة للفائدة، خصوصاً شركات التكنولوجيا التي تتأثر عادة بارتفاع تكلفة التمويل وتبدل توقعات النمو.
أسعار النفط والبيئة الجيوسياسية تضيف مزيداً من التعقيد
إلى جانب بيانات العمل، تتابع الأسواق أيضاً تطورات السياسة والجغرافيا الاقتصادية. فقد ساهمت مؤشرات على تحسن أجواء المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في دفع أسعار النفط إلى التراجع، بعد إعلان قطر، التي تشارك في جهود الوساطة، أن جولة المفاوضات الأخيرة كانت إيجابية رغم عدم التوصل إلى اختراق نهائي.
ويمنح هبوط النفط بعض الدعم للأسواق الأوسع من زاوية تخفيف الضغوط التضخمية المحتملة، لكنه في الوقت نفسه يعكس استمرار حالة عدم اليقين في الملفات الجيوسياسية، وهو ما يجعل المستثمرين أكثر ميلاً إلى إدارة المخاطر بحذر، بدلاً من اتخاذ رهانات قوية على اتجاه واحد.
التضخم وسوق العمل يظلان محور القرار
تؤكد إشارات مسؤولي الفيدرالي أن مسار السياسة النقدية لن يُحسم بناء على تطور منفرد، بل على مجموعة من البيانات المتلاحقة المتعلقة بالتضخم وسوق العمل والاستثمار. وتشير التصريحات الأخيرة إلى أن الاقتصاد الأميركي ما زال يعيش مرحلة لا تسمح بالجزم المبكر بشأن ما إذا كان التشديد النقدي قد اقترب من نهايته أم أن هناك حاجة إلى خطوة إضافية.
وفي هذا الإطار، يرى محللون أن استمرار قوة سوق العمل قد يُبقي الضغط قائماً على الأسهم، لأن الأسواق ستفهم ذلك باعتباره مبرراً لبقاء الفائدة مرتفعة مدة أطول. في المقابل، قد يخفف أي تباطؤ واضح في التوظيف أو الاستهلاك من هذه التوقعات، ويمنح الأسهم الأميركية فرصة لالتقاط الأنفاس.
وتبقى النتيجة الأقرب في المدى القصير مرتبطة بقدرة تقرير الوظائف على تقديم صورة متماسكة عن صحة الاقتصاد، في وقت يتداخل فيه تأثير التضخم مع مسار الاستثمار وأرباح الشركات وتكاليف الاقتراض.
خلاصة المشهد
تتجه الأسواق الأميركية إلى جلسة حاسمة نسبياً، حيث يلتقي ترقب بيانات الوظائف مع استمرار الضغط على أسهم التكنولوجيا والرقائق، في وقت لا تزال فيه السياسة النقدية الأميركية غير محسومة بالكامل. وبين رهانات الفائدة، وتقلبات النفط، والحذر العالمي من التقييمات المرتفعة، تبدو العقود الآجلة الأقرب إلى التعبير عن سوق تنتظر إشارة واضحة قبل اتخاذ اتجاه جديد.