ضغط عالمي على أسهم التكنولوجيا
أنهى مؤشر نيكي الياباني تعاملات الأربعاء على انخفاض حاد، ليتراجع إلى أدنى مستوى إغلاق له منذ نحو أربعة أسابيع، بعدما امتدت موجة البيع في أسهم التكنولوجيا من السوق الأميركية إلى الأسواق الآسيوية. وجاء الهبوط مدفوعاً بتراجع شهية المستثمرين تجاه شركات الرقائق والتجهيزات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وسط قلق متزايد من أن الارتفاعات الأخيرة في هذا القطاع ربما سبقت أساسياته التشغيلية.
وتراجع نيكي القياسي بنسبة 2.11 في المائة ليغلق عند 66819.05 نقطة، في ثالث جلسة خسائر متتالية. كما انخفض مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً بنسبة 1.37 في المائة إلى 4006.43 نقطة، ما يعكس اتساع نطاق الضغوط التي أصابت السوق اليابانية في جلسة اتسمت بالحذر والتحول من أسهم النمو إلى القطاعات الدفاعية نسبياً.
سامسونغ ومايكرون يعيدان فتح ملف تقييمات الذكاء الاصطناعي
بدأت الموجة الأخيرة من التراجع في نيويورك، حيث تكبد مؤشر ناسداك خسائر قوية خلال الليل، متأثراً بأداء مايكرون تكنولوجي وغيرها من شركات تصنيع الرقائق. وأعاد ذلك إلى الواجهة النقاش حول مدى قدرة الارتفاع القائم على الذكاء الاصطناعي على الاستمرار من دون تصحيح سعري، خصوصاً بعد سلسلة مكاسب دفعت تقييمات الشركات التقنية إلى مستويات مرتفعة.
وفي آسيا، زاد الضغط بعد أن جاءت نتائج سامسونغ للإلكترونيات دون توقعات المستثمرين العالية، وهو ما دفع المتعاملين إلى جني الأرباح في أسهم أشباه الموصلات. وبحسب محللين في السوق، فإن المستثمرين باتوا أكثر حذراً تجاه أي إشارة إلى تباطؤ في الطلب أو ضعف في هوامش الربح داخل صناعة الرقائق، حتى لو ظلت التوقعات طويلة الأجل للقطاع إيجابية.
وقال دايسكي هاشيزومي، كبير الاستراتيجيين في دايوا للأوراق المالية، إن الثقة الكاملة في أسهم الذكاء الاصطناعي لم تعد سهلة الاستعادة، مضيفاً أن السوق لا يبدو مقتنعاً بأن موجة الصعود الحالية قادرة على الاستمرار بالوتيرة نفسها. وتُظهر هذه اللهجة اتجاهاً متنامياً لدى المستثمرين نحو التشكيك في الأسعار المرتفعة بعد شهور من الزخم القوي.
أسهم الرقائق تقود الخسائر في طوكيو
انعكس هذا المزاج مباشرة على الأسهم اليابانية المرتبطة بصناعة الرقائق. فتراجعت أسهم طوكيو إلكترون بنسبة 3.05 في المائة، في حين خسرت أدفانتيست 4.69 في المائة. كما هبطت أسهم تايو يودن 8 في المائة، وهي شركة تنتج مكثفات خزفية متعددة الطبقات تُستخدم في تنظيم الطاقة داخل خوادم الذكاء الاصطناعي. أما كيوكسيا، المتخصصة في الذاكرة، فقد أغلقت منخفضة 0.73 في المائة بعد أن كانت قد سجلت مكاسب في وقت مبكر من الجلسة.
ويعكس هذا الأداء هشاشة المزاج الاستثماري في قطاع كان من أبرز المستفيدين من الرهان العالمي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فمع أي إشارة سلبية من الشركات الكبرى أو من السوق الأميركية، تتحول عمليات الشراء السريعة إلى موجات بيع لجني الأرباح، خاصة في الأسهم التي ارتفعت أسعارها بوتيرة أسرع من نمو الإيرادات الفعلي.
وفي المقابل، سجلت بعض الأسهم المرتبطة بالطلب المحلي أداءً أفضل نسبياً، إذ ارتفعت أسهم كي دي دي آي، الشركة العاملة في قطاع الهواتف والاتصالات، بنسبة 1.04 في المائة. كما أظهرت بيانات التداول في بورصة طوكيو أن 36 في المائة من الأسهم المدرجة في السوق الرئيسية ارتفعت، مقابل تراجع 61 في المائة واستقرار 2 في المائة فقط، ما يؤكد أن الضغوط كانت واسعة النطاق.
عوائد السندات اليابانية تصعد إلى أعلى مستوياتها منذ عقود
بالتوازي مع هبوط الأسهم، شهد سوق الديون اليابانية تحركاً لافتاً، إذ ارتفعت عوائد السندات الحكومية إلى أعلى مستوياتها في 30 عاماً تقريباً. وجاء ذلك في ظل مخاوف المستثمرين من أن يؤدي التضخم المرتفع وخطط الإنفاق الضخمة إلى زيادة الضغط على المالية العامة، خاصة مع استمرار الجدل حول اتجاه السياسة النقدية.
وصعد عائد السندات لأجل 10 سنوات بمقدار 2.5 نقطة أساس إلى 2.865 في المائة، بينما ارتفع عائد السندات لأجل 20 عاماً بمقدار 4 نقاط أساس إلى 3.85 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ سبتمبر 1996. كما ارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً بثلاث نقاط أساس إلى 3.97 في المائة، في حين صعد عائد السندات لأجل عامين نقطتين أساسيتين إلى 1.42 في المائة، ولأجل خمس سنوات إلى 1.975 في المائة.
وتشير هذه التحركات إلى أن المستثمرين يعيدون تسعير المخاطر المرتبطة بالدين الياباني بعد تحول السياسة النقدية تدريجياً بعيداً عن بيئة الفائدة شديدة الانخفاض. كما أن الحديث المتزايد عن خطط استثمارية ضخمة، قد تتجاوز 370 تريليون ين حتى السنة المالية 2040 ضمن الاستثمارات العامة والخاصة مجتمعة، عزز القلق من اتساع عبء التمويل على المدى الطويل.
مخاوف من تداخل السياسة النقدية والمالية
زاد الجدل في السوق بعد تقارير محلية تحدثت عن احتمال تعديل بعض بنود السياسة النقدية في الخطة الاقتصادية الحكومية. ويرى محللون أن مجرد تغيير الصياغة يعكس حساسية شديدة تجاه استقلالية بنك اليابان، في وقت يتابع فيه المستثمرون عن كثب أي إشارة من الحكومة أو البنك المركزي بشأن مسار الفائدة.
وكانت المسودة الأولى للخطة قد تضمنت لغة فُسرت على أنها تميل إلى دعم نمو الاقتصاد عبر سياسة نقدية مناسبة، ما أثار عمليات بيع في السندات اليابانية. ثم جرى تعديل الصياغة لاحقاً لتشديد الإشارة إلى أهمية استقرار التضخم، في محاولة لطمأنة الأسواق بشأن عدم وجود ضغط سياسي مباشر على البنك المركزي. ومع ذلك، بقيت المخاوف قائمة بشأن التنسيق الوثيق بين السياسات الاقتصادية والنقدية، خاصة في ظل استمرار التضخم حول هدف 2 في المائة.
ويستمر البنك المركزي الياباني في رفع الفائدة تدريجياً، بعد أن رفعها مرتين منذ تولي رئيسة الوزراء الحالية منصبها، بما في ذلك زيادة في يونيو رفعت سعر الفائدة الرئيسي إلى 1 في المائة، وهو أعلى مستوى في 31 عاماً. لكن المستثمرين يراقبون ما إذا كان التشديد النقدي سيستمر بالوتيرة نفسها، أم أن الحكومة ستفضل نهجاً أكثر حذراً مع تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الاقتراض.
إشارات الحذر تمتد إلى الأسواق الآسيوية
لم يقتصر الضغط على اليابان وحدها، إذ هبط مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بأكثر من 20 في المائة مقارنة بإغلاقه القياسي السابق في 22 يونيو، وهو مستوى يُستخدم عادةً للدلالة على دخول السوق في مرحلة هبوط. ويعكس ذلك اتساع أثر موجة التشكيك في أسهم التكنولوجيا والرقائق على مستوى آسيا، خصوصاً بعد أن أصبحت هذه الشركات جزءاً أساسياً من محافظ المستثمرين العالميين.
وتُظهر التطورات الأخيرة أن الأسواق لم تعد تتفاعل فقط مع نتائج الشركات، بل أيضاً مع أي تغير في لهجة البنوك المركزية أو الحكومات تجاه التضخم والفائدة والإنفاق. وفي الحالة اليابانية، تلتقي ثلاثة عوامل في وقت واحد: تباطؤ أسهم التكنولوجيا، صعود عوائد السندات، وتزايد الحساسية تجاه السياسة الاقتصادية. وهذه العوامل مجتمعة دفعت المستثمرين إلى التحرك نحو أصول أقل مخاطرة، ولو مؤقتاً، بانتظار وضوح أكبر بشأن اتجاه الأسواق العالمية خلال الأسابيع المقبلة.