يثير اتجاه الحكومات الأوروبية إلى رفع الإنفاق الدفاعي سؤالاً اقتصادياً حساساً: هل يمكن أن يتحول الاستثمار العسكري إلى رافعة للنمو، أم أنه سيستنزف الموارد من قطاعات أكثر إنتاجية؟ وفي وقت تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية وتضغط الحرب في أوكرانيا على حسابات الأمن القومي، يبدو الجواب أقل بساطة مما تطرحه الخطابات السياسية.
المنطق الأمني واضح. أوروبا لم تعد قادرة على الاعتماد على المظلة الأميركية كما في السابق، فيما تدفعها المخاطر الإقليمية إلى إعادة بناء قدراتها الدفاعية. لكن من منظور اقتصادي، لا يعني ذلك تلقائياً أن تخصيص المزيد من الأموال للدفاع هو الخيار الأفضل لتحفيز النمو، خصوصاً في اقتصادات تعاني أصلاً من ضعف الإنتاجية وبطء التوسع.
الإنفاق الدفاعي ليس دائماً استثماراً عالي العائد
تقوم الحجج المؤيدة لزيادة الميزانيات العسكرية على فكرة أن الأموال العامة إذا صُرفت داخل الاقتصاد المحلي ستنعش الطلب وتخلق وظائف. غير أن هذه الفكرة تصطدم بسؤال العائد الحقيقي. فالأثر التحفيزي للإنفاق الدفاعي غالباً ما يكون محدوداً مقارنةً بالاستثمار في البنية التحتية أو التكنولوجيا أو التعليم أو الطاقة، وهي مجالات تترك عادة أثراً أعمق وأطول أمداً على الإنتاجية.
وتشير تقديرات اقتصادية دولية إلى أن المضاعف الاقتصادي للإنفاق الدفاعي يكون في العادة متواضعاً، وقد يرتفع فقط في حالات معينة، مثل وجود قاعدة صناعية محلية قوية قادرة على استيعاب الطلب الجديد. أما إذا كانت المشتريات العسكرية تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، فإن جزءاً كبيراً من الأموال يخرج من الاقتصاد المحلي سريعاً، ما يحد من أثرها على النمو.
كما أن زيادة الطلب الحكومي على السلع والخدمات الدفاعية قد ترفع الأسعار وتدفع الفائدة إلى الصعود، خاصة إذا جاءت في وقت تعاني فيه الأسواق من اختناقات في العمالة أو رأس المال. وفي هذه الحالة، لا يتحقق توسع اقتصادي صافٍ، بل قد يحدث نوع من المزاحمة مع النشاط الخاص.
أوروبا أمام معادلة الأمن والكفاءة
التحدي الأوروبي لا يقتصر على حجم الإنفاق، بل يمتد إلى طريقة توزيعه. فبعض الدول، مثل فرنسا وألمانيا، تمتلك قواعد تصنيع دفاعي أوسع نسبياً، ما يمنحها فرصة أفضل للاستفادة من زيادة الطلب العسكري داخلياً. أما دول أخرى فتحتاج إلى استيراد معظم التجهيزات، وهو ما يقلل من الفائدة الاقتصادية المباشرة.
ومن هنا تبرز أهمية التنسيق الأوروبي المشترك. فإذا نجحت الدول الأعضاء في توحيد جزء أكبر من عمليات الشراء والبحث والتطوير، فقد تتمكن من خفض التكاليف وتعزيز الكفاءة وخلق أثر اقتصادي أوسع داخل القارة. لكن هذا المسار لا يزال في مرحلة غير مكتملة، إذ تظل عقود التسلح واللوائح الوطنية والحسابات الصناعية عائقاً أمام التكامل الحقيقي.
النتيجة أن أوروبا قد تجد نفسها مضطرة إلى زيادة ميزانيات الدفاع لأسباب استراتيجية، لكنها ستحتاج في الوقت نفسه إلى حماية القطاعات التي تولد نمواً مستداماً. فالاختبار الحقيقي ليس في رفع الإنفاق وحده، بل في ضمان ألا يأتي ذلك على حساب الاستثمارات ذات الإنتاجية الأعلى.
الطاقة أصبحت جزءاً من معادلة الدفاع
يتسع مفهوم الأمن تدريجياً ليشمل الطاقة والبنية التحتية الرقمية، لا السلاح التقليدي فقط. فقد أظهرت الأزمات الأخيرة أن أمن الإمدادات الكهربائية والغازية، وقدرة الشبكات على الصمود، لا يقلان أهمية عن العتاد العسكري في حماية الاقتصادات الحديثة.
الحرب في أوكرانيا أبرزت هشاشة الاعتماد على مصادر محدودة للطاقة، بينما أظهر اضطراب الممرات البحرية والمضائق الحيوية كيف يمكن لأي صدمة جيوسياسية أن تهز النظام الاقتصادي العالمي. وبالنسبة لأوروبا، فإن تنويع مصادر الطاقة وتوسيع الشبكات وتحسين المرونة التشغيلية لم يعد ترفاً، بل جزءاً من الاستعداد الدفاعي ذاته.
هذه النقطة بالذات مهمة للاقتصاد الرقمي. فمراكز البيانات، والحوسبة السحابية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، كلها صناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. وكلما ارتفع الاعتماد على التقنيات الرقمية، ازدادت الحاجة إلى كهرباء مستقرة وبنية تحتية قادرة على التحمل. ومن دون ذلك، قد تتأخر الاستثمارات التكنولوجية أو تتقلص جاذبية بعض الأسواق الأوروبية أمام المستثمرين.
الاستثمار في الطاقة والبنية التحتية قد يكون أكثر إنتاجية
إذا كانت الحكومات تبحث عن دعم النمو إلى جانب تعزيز الأمن، فإن توجيه جزء من الإنفاق نحو شبكات الكهرباء، والنقل، والمرونة الطاقية، والربط الصناعي قد يحقق أثراً أوسع من التوسع العسكري وحده. فهذه الاستثمارات لا ترفع الجاهزية الاستراتيجية فقط، بل تزيد القدرة الإنتاجية للاقتصاد وتدعم التحول الرقمي والصناعات المتقدمة.
كما أن الاستثمار العام في الطاقة النظيفة وكفاءة الشبكات يمكن أن يخلق سلسلة من العوائد المتراكمة، بدءاً من خفض التكاليف التشغيلية للشركات وصولاً إلى تحسين بيئة الأعمال وجذب رأس المال الخاص. وفي المقابل، فإن تقليص هذه البنود لتمويل الدفاع قد يبدو مربحاً سياسياً في الأجل القصير، لكنه قد يضعف قدرة الاقتصاد على التوسع على المدى البعيد.
في بعض الاقتصادات الأوروبية، يحظى قطاع الاقتصاد الأخضر بالفعل بدور متزايد في خلق القيمة المضافة. لذلك فإن أي إعادة ترتيب للإنفاق العام ينبغي أن تأخذ في الحسبان هذا التحول، لا أن تتعامل مع الطاقة باعتبارها بنداً ثانوياً يمكن الاستغناء عنه بسهولة.
الخلاصة: الأمن ضرورة، لكن الأولوية للكفاءة
لا يشكك هذا المنظور في الحاجة إلى رفع جاهزية أوروبا الدفاعية، بل يؤكد أن الأمن القومي أصبح أكثر تعقيداً واتساعاً. غير أن تحويل الدفاع إلى محرك رئيسي للنمو يبدو افتراضاً مبالغاً فيه. فالنمو المستدام يتطلب توجيه الموارد إلى المجالات التي ترفع الإنتاجية، وتدعم البنية التحتية، وتزيد مرونة الاقتصاد أمام الصدمات.
بمعنى آخر، قد يكون الإنفاق الدفاعي ضرورة سياسية واستراتيجية، لكنه لا يصبح قراراً اقتصادياً ناجحاً إلا إذا جرى ضمن توازن أوسع يحمي الاستثمار في الطاقة، والابتكار، والبنية التحتية الرقمية، والصناعة المحلية. وإلا فإن زيادة الإنفاق العسكري قد تتحول من أداة حماية إلى عبء على النمو.