الدولار يبدأ النصف الثاني بزخم صعودي واضح
يدخل الدولار الأميركي النصف الثاني من عام 2026 وهو يستند إلى مجموعة من العوامل التي تمنحه أفضلية ملحوظة في أسواق العملات. فالمشهد الاقتصادي في الولايات المتحدة لا يزال يظهر متانة نسبية مقارنةً بالاقتصادات الكبرى الأخرى، فيما تعزز التوقعات بأن السياسة النقدية ستبقى مشددة لفترة أطول من السابق، وربما تتجه إلى رفع جديد في أسعار الفائدة.
هذا التحول في توقعات السوق يأتي في وقت يواصل فيه المستثمرون إعادة تسعير الأصول الأميركية على أساس ما يُعرف بـالاستثنائية الأميركية، أي قدرة الاقتصاد الأميركي على جذب رأس المال وتحقيق أداء أفضل من غيره، سواء عبر النمو أو الابتكار أو عمق الأسواق المالية. والنتيجة هي استمرار الطلب على الدولار، رغم أن قيمته باتت مرتفعة بالفعل مقارنة بعملات رئيسية عدة.
أفضل أداء نصف سنوي منذ بداية العام
خلال النصف الأول من 2026، حقق الدولار مكاسب تقارب 3 في المائة، ليصبح أفضل العملات أداءً في تلك الفترة. ويأتي هذا الصعود بعد عام مضطرب سابق، عندما واجهت العملة الأميركية ضغوطاً حادة وتراجعت بأكثر من 10 في المائة في النصف الأول من العام الماضي، وهو أكبر هبوط نصف سنوي لها منذ أوائل سبعينات القرن الماضي.
ويعكس هذا التبدل السريع كيف تتغير شهية المستثمرين عندما تتحسن المؤشرات الاقتصادية الأميركية وتعود السوق إلى الاعتقاد بأن العوائد في الولايات المتحدة ستظل أكثر جاذبية من غيرها. فكلما ارتفعت احتمالات تشديد السياسة النقدية، ازداد الدعم للدولار، لأن ذلك يرفع العائد الحقيقي على الأصول المقومة به.
الفيدرالي والتضخم يعيدان تشكيل توقعات السوق
رغم تراجع أسعار الطاقة وتراجع بعض ضغوط التضخم المرتبطة بالإمدادات، فإن الأسواق باتت تتعامل مع احتمال أن يتجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى تشديد إضافي بدلاً من التيسير. ويعود ذلك إلى استمرار التضخم فوق هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة، إلى جانب القراءة الإيجابية للبيانات الاقتصادية خلال الأشهر الماضية.
كما أن نبرة رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، كيفين وارش، تبدو أكثر ميلاً إلى التركيز على احتواء التضخم، وهو ما يعزز الاعتقاد بأن الفائدة قد تبقى مرتفعة مدة أطول. وفي ظل هذا المشهد، ارتفعت رهانات المتداولين على تنفيذ رفع واحد على الأقل للفائدة خلال العام، مع احتمال قائم لزيادة ثانية، وهو تغير كبير مقارنة بما كانت تسعره الأسواق قبل أسابيع قليلة فقط.
الذكاء الاصطناعي يضيف دعماً غير مباشر للعملة الأميركية
من أبرز العناصر التي تدعم قوة الدولار حالياً موجة الاستثمار الواسعة في الذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة. فالتوسع في بناء مراكز البيانات، والإنفاق الضخم من شركات التكنولوجيا الكبرى، وتزايد الطلب على الحوسبة المتقدمة، كلها عوامل دفعت رؤوس الأموال العالمية إلى التمركز في السوق الأميركية.
ولا يقتصر الأثر على قطاع التكنولوجيا نفسه، بل يمتد إلى السوق المالية بأكملها، حيث تواصل الأصول الأميركية جذب السيولة من الخارج. وتشير تقديرات مصرفية حديثة إلى تدفقات قياسية نحو الأسهم الأميركية منذ بداية العام، ما يعكس ثقة المستثمرين في أن الولايات المتحدة ستظل المركز الأهم لنمو الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والحوسبة الكمية.
هذه التدفقات لا تعني فقط ارتفاع تقييمات الشركات، بل تعني أيضاً طلباً أعلى على الدولار لتمويل شراء تلك الأصول، وهو ما يضيف طبقة جديدة من الدعم للعملة الأميركية.
ضغوط متزايدة على العملات الأخرى
في المقابل، تواجه العملات الرئيسية الأخرى تحديات أكبر مع صعود الدولار. فالين الياباني يقترب من مستويات متدنية تاريخياً، ما يثير قلق صناع القرار في طوكيو بسبب أثره المباشر على تكلفة الواردات. كما يتحرك اليورو قرب مستويات أقل جاذبية أمام العملة الأميركية، بينما تتعرض بعض العملات الآسيوية والناشئة لتقلبات أشد مع اتساع الفجوة في العوائد بين الولايات المتحدة وبقية العالم.
وفي الأسواق الناشئة، تلجأ بعض البنوك المركزية إلى التدخل المباشر أو إلى رفع الفائدة للدفاع عن عملاتها. غير أن هذه الأدوات قد تكون محدودة الفاعلية إذا استمرت الولايات المتحدة في تقديم عوائد أعلى ونمو أقوى، لأن المستثمرين غالباً ما يفضلون العودة إلى الدولار عندما تتسع الفوارق في الأداء الاقتصادي والمالي.
رهانات المضاربين تتكدس عند أعلى مستوياتها
تظهر بيانات مراكز العقود الآجلة أن المضاربين عززوا مراكزهم الشرائية على الدولار بوتيرة هي الأسرع خلال النصف الأول من العام منذ بدء تسجيل هذه البيانات. وتبلغ قيمة صافي المراكز الشرائية حالياً نحو 30 مليار دولار، وهو مستوى يعكس قناعة واسعة بأن الاتجاه الصعودي ما زال قائماً.
ويُنظر إلى هذا التمركز الكبير على أنه عامل إضافي يدعم استمرار الزخم، لكنه في الوقت نفسه يرفع احتمالات التقلب إذا طرأت مفاجأة على بيانات التضخم أو قرارات الفيدرالي. ومع ذلك، فإن ارتفاع العوائد الحقيقية في الولايات المتحدة يجعل الاحتفاظ بالدولار أكثر جاذبية من الناحية النسبية، خاصة في بيئة عالمية لا تزال تعاني من الغموض الجيوسياسي.
الاستثمارات الأجنبية تعمّق ميزة الولايات المتحدة
لا يعتمد صعود الدولار على السياسة النقدية وحدها، بل يتغذى أيضاً من مكانة الاقتصاد الأميركي كمحور رئيسي للاستثمار العالمي. فالشركات الأجنبية تواصل ضخ أموال كبيرة في السوق الأميركية لتوسيع حضورها، مستفيدة من عمق السوق، ووضوح الإطار التنظيمي، وتنوع فرص النمو.
وفي الوقت نفسه، تبقى الشركات الأميركية العملاقة، خصوصاً في التكنولوجيا والبنية الرقمية، عامل جذب مستمر لرؤوس الأموال الدولية. ومع تصاعد الرهانات على أن الذكاء الاصطناعي سيقود دورة استثمارية طويلة الأجل، يصبح الدولار المستفيد الأول من تدفق هذه الأموال إلى الداخل الأميركي.
ويعكس ذلك ما يشبه الحلقة المتكاملة: نمو اقتصادي قوي، واستثمارات عالية، وعوائد مرتفعة، ثم دولار أقوى. وهذه الحلقة تمنح الولايات المتحدة موقعاً مميزاً في النظام المالي العالمي، حتى لو أدى ذلك إلى زيادة الضغط على الشركاء التجاريين والاقتصادات المنافسة.
صعود قد يستمر لكن المخاطر بعيدة المدى قائمة
رغم النظرة الإيجابية القصيرة الأجل، لا يخلو المسار من مخاطر على المدى الأطول. فبعض المحللين يرى أن قوة الدولار قد تتجاوز نطاقه الأخير إذا واصلت الفائدة الحقيقية الارتفاع، لكنهم في الوقت نفسه يحذرون من أن استدامة الدين والعجز المالي الأميركي قد تعود لتشكّل عبئاً على العملة مستقبلاً.
كما أن أي تراجع مفاجئ في زخم الاقتصاد الأميركي، أو تحسن ملحوظ في اقتصادات أخرى، أو تحول في مسار الاحتياطي الفيدرالي، قد يحد من استمرار الصعود. لكن في الوقت الراهن، تبدو العوامل الداعمة للدولار أقوى من العوامل المعاكسة، ما يجعل العملة الأميركية مرشحة للبقاء في موقع القوة خلال الأشهر المقبلة.
خلاصة المشهد
الرسالة الأساسية التي يلتقطها المستثمرون حالياً واضحة: الاقتصاد الأميركي ما زال يجذب رأس المال، والذكاء الاصطناعي يعزز هذا الاتجاه، والاحتياطي الفيدرالي قد يبقي الفائدة مرتفعة أو يرفعها مجدداً. وفي ظل هذا المزيج، يظل الدولار في موقع أفضل من معظم العملات المنافسة، مع احتمال أن يواصل اختبار مستويات أعلى إذا استمرت البيانات الاقتصادية في مفاجأة الأسواق إيجاباً.