الدولار القوي لم يعد وحده في المشهد
في العادة، يؤدي ارتفاع الدولار الأميركي إلى زيادة الضغوط التضخمية خارج الولايات المتحدة، لأن معظم السلع الأولية والفواتير التجارية الكبرى تُسعَّر به. ومع صعود العملة الأميركية إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عام أمام عدد من العملات الرئيسية، كانت الأسواق تتوقع موجة جديدة من ارتفاع تكلفة الواردات.
لكن هذه المرة، تزامن صعود الدولار مع هبوط حاد في أسعار الطاقة العالمية، ما خفف الأثر الصعودي للعملة الأميركية على الأسعار. النتيجة أن كثيراً من الاقتصادات المستوردة للطاقة وجدت نفسها أمام بيئة أقل قسوة مما كان متوقعاً قبل أسابيع قليلة.
تراجع النفط والغاز يبدل معادلة الأسعار
الانخفاض الأخير في أسعار النفط والغاز الطبيعي جاء بعد انحسار التوترات المرتبطة بالنزاع في الشرق الأوسط وعودة حركة الشحن تدريجياً عبر ممرات بحرية رئيسية. ومع اتساع التوقعات بأن الإمدادات ستتحسن، اتجهت الأسواق إلى تسعير برنت وخام غرب تكساس عند مستويات أدنى بكثير من ذروة الاضطراب السابقة.
النفط تراجع بنحو 40% من مستوياته المرتفعة خلال الأزمة، فيما هبطت أسعار الغاز في أوروبا بنحو 45% من قمتها. هذا التراجع السريع يعني أن أثر الطاقة على التضخم بدأ ينعكس من جديد، بعد فترة قصيرة من الضغط الحاد على المستهلكين والشركات على حد سواء.
كما أن التغير السنوي في عقود الخام الأميركي دخل لفترة وجيزة إلى المنطقة السلبية، وهو تطور مهم لأنه يشير إلى أن الطاقة قد تتحول من عامل تضخمي إلى عامل كابح للأسعار خلال الأشهر المقبلة.
البنوك المركزية تراجع حساباتها
انخفاض أسعار الطاقة يخفف الحاجة إلى تشديد إضافي في السياسة النقدية لدى عدد من البنوك المركزية. ففي أوروبا، دفعت التطورات الأخيرة بعض المؤسسات البحثية إلى تعديل توقعاتها بشأن البنك المركزي الأوروبي، مع خفض عدد الزيادات المتوقعة في أسعار الفائدة.
وتعكس المقايضات المرتبطة بالتضخم في منطقة اليورو هذا التحول بوضوح، إذ انخفضت توقعات التضخم لأجل عام واحد إلى مستويات أقل بكثير من ذروتها السابقة، كما تراجعت التوقعات الأطول أجلاً لتقترب من هدف البنك المركزي الأوروبي عند 2%.
وفي بريطانيا، عادت مقايضات التضخم لأجل عامين إلى مستويات ما قبل الأزمة، وهو ما أثر أيضاً في تسعير الرهون العقارية الثابتة وتوقعات الأسواق بشأن بنك إنجلترا. وبدلاً من رهانات الرفع المتكرر للفائدة، باتت الأسواق ترى مساحة أضيق لخطوات تشديد إضافية خلال العام.
مرونة أكبر في الأسواق الناشئة
الاقتصادات الناشئة كانت الأكثر حساسية لمعادلة الدولار المرتفع والطاقة المكلفة، لأن ضعف العملات المحلية يرفع تلقائياً كلفة الواردات المقومة بالدولار. وفي فترات سابقة، هذا المزيج كان يدفع بعض الدول إلى رفع الفائدة أو التدخل في سوق الصرف للدفاع عن عملاتها.
حالياً، يمنح تراجع أسعار النفط مساحة تنفس إضافية لهذه الدول. فمع انخفاض فاتورة الطاقة، تقل الحاجة إلى إجراءات دفاعية حادة، حتى وإن بقي الدولار قوياً. وهذا أمر بالغ الأهمية للدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة والمواد الخام، خصوصاً في آسيا.
في بعض الحالات، كان الضغط يتراكم في حلقة مفرغة: ضعف العملة يرفع التضخم، وارتفاع التضخم يدفع العملة إلى مزيد من الضعف. أما الآن، فإن تراجع الطاقة يساعد على كسر هذه الحلقة أو على الأقل إبطائها.
اليابان مثال واضح على تغير البيئة
الين الياباني ظل تحت ضغط شديد ولامس مستويات قريبة من أدنى مستوياته في أربعة عقود مقابل الدولار. ورغم أن طوكيو سبق أن لجأت إلى تدخلات في سوق الصرف عندما تجاوز الدولار مستويات حرجة، فإن الظروف الحالية تبدو مختلفة مع هبوط النفط إلى ما دون مستويات الذروة التي شهدتها الأسواق خلال التصعيد السابق.
واليابان من أكثر الاقتصادات حساسية لهذا التحول لأنها تستورد معظم احتياجاتها من الطاقة. وعندما تكون أسعار الخام عند مستويات مرتفعة جداً، يصبح ضعف الين أكثر خطورة على التضخم المحلي. أما الآن، فإن انخفاض النفط يقلص الحاجة إلى تدخلات مباشرة في سوق العملة، أو على الأقل يخفف حدتها.
التداعيات على السياسة الاقتصادية العالمية
المؤشر الأهم في هذه المرحلة هو أن الضغوط التضخمية لم تعد تتحرك في اتجاه واحد. فالدولار القوي ما زال يرفع تكلفة الواردات، لكن هبوط الطاقة يعيد التوازن إلى جزء كبير من الصورة. لذلك تتراجع المخاوف من موجة تضخمية جديدة كانت ستجبر البنوك المركزية على مواصلة التشديد.
هذا التغير يمنح صانعي السياسات بعض الوقت، سواء في الاقتصادات المتقدمة أو الناشئة، لإعادة تقييم مسار الفائدة والتدخلات المحتملة في أسواق العملات. كما يمنح الشركات والمستهلكين بيئة أكثر استقراراً في ما يتعلق بتكاليف النقل والإنتاج والتسعير.
ورغم أن المشهد ما زال هشاً وقابلاً للتبدل إذا ارتفعت أسعار الطاقة مجدداً، فإن الاتجاه الحالي يشير إلى أن النفط لم يعد يدعم التضخم كما كان قبل أسابيع. وبهذا المعنى، فإن صعود الدولار لم يفقد تأثيره بالكامل، لكنه بات يواجه قوة معاكسة من تراجع الطاقة، ما يقلص أثره على الاقتصاد العالمي.
خلاصة المشهد
الأسواق العالمية تدخل مرحلة أكثر توازناً بعد فترة من التوتر المزدوج بين قوة الدولار وارتفاع أسعار النفط. ومع بدء انحسار أثر الطاقة، تتراجع المخاوف من انتقال سريع للضغوط التضخمية إلى أسعار السلع والخدمات في عدد كبير من الدول.
النتيجة العملية هي أن البنوك المركزية حصلت على مساحة أكبر للتحرك بحذر، وأن الاقتصادات المستوردة للطاقة لم تعد تواجه نفس المستوى من الضغط الذي كان سائداً خلال ذروة الأزمة. لكن التحدي يبقى في الحفاظ على هذا الهامش إذا ما عادت أسعار النفط إلى الارتفاع أو استأنف الدولار صعوده بوتيرة أسرع.