12-Jul-2026 5 دقائق قراءة

الصين تجمع بين قيادة الطاقة المتجددة والاعتماد على الفحم في خطة الخمس سنوات الجديدة

تُظهر خطة الطاقة الصينية الجديدة مساراً مزدوجاً يجمع بين التوسع السريع في الطاقة المتجددة والحفاظ على الفحم عند مستويات قياسية، في إطار أولوية واضحة لأمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الواردات.

تكشف أحدث خطة طاقة خمسية في الصين عن مسار اقتصادي وطاقي يجمع بين هدفين يبدوان متعارضين: توسيع الريادة في الطاقة المتجددة، والحفاظ في الوقت نفسه على الفحم كركيزة مركزية في منظومة الإمداد. ويعكس هذا التوجه حسابات أوسع تتعلق بأمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الواردات، أكثر مما يعكس انتقالاً سريعاً وحاسماً بعيداً عن الوقود الأحفوري.

الصين، بوصفها أكبر مستهلك للطاقة في العالم، تريد رفع حصة الكهرباء المولدة من مصادر غير أحفورية إلى 50% بحلول عام 2030، مقارنة بهدف سابق يبلغ 42.3% لعام 2025. كما تسعى إلى رفع قدرة طاقة الرياح والطاقة الشمسية إلى أكثر من 2700 غيغاواط، أي ما يزيد على نصف القدرة المركبة المتوقعة، بعد أن بلغت النسبة نحو 47% في نهاية العام الماضي.

غير أن هذا التوسع في الطاقة النظيفة لا يعني تراجعاً سريعاً للفحم. فبكين ما زالت تنظر إلى الفحم المحلي، مع احتياطياته الضخمة وبنيته التعدينية المتطورة، باعتباره وسيلة استراتيجية لتخفيف التعرض لصدمات أسواق النفط والغاز الطبيعي المسال. وبذلك، لا تُقدَّم الطاقة المتجددة كبديل كامل، بل كطبقة إضافية تعزز المرونة وتدعم النمو الصناعي.

الطاقة المتجددة تنمو أسرع من الأهداف الرسمية

الملفت في الخطة الجديدة أن التوسع في الطاقة الشمسية والرياح قد يكون في الواقع أكثر تحفظاً من الاتجاه الفعلي في السوق. ففي السنوات الأخيرة، تجاوزت الإضافات السنوية في القدرات المركبة الأهداف الرسمية في عدد من الحالات، ما يشير إلى أن القطاع قد يواصل النمو بوتيرة أعلى من المعلن.

هذا التفوق في بناء القدرات لا يقتصر على خفض الانبعاثات، بل يعكس أيضاً نضجاً صناعياً وتقنياً جعل الصين لاعباً مهيمنًا في سلاسل توريد الألواح الشمسية والتوربينات والمكونات المرتبطة بها. ومع ذلك، فإن توسع القطاع الكهربائي المتجدد لا يترجم تلقائياً إلى خروج سريع من الفحم، لأن بنية الطلب الصناعي والبتروكيماوي ما زالت تحتاج إلى مصادر مستقرة وكثيفة الطاقة.

الفحم يبقى حاضراً في الكهرباء والكيماويات

رغم الحديث المتزايد عن التحول الأخضر، ما يزال الفحم يؤدي دوراً رئيسياً في توليد الكهرباء وفي إنتاج المواد الكيميائية والوقود السائل. وفي الصين، لا يُستخدم الفحم فقط كمصدر للحرق المباشر في محطات التوليد، بل أيضاً كمدخل صناعي لإنتاج الميثانول والأمونيا والأوليفينات وغيرها من المركبات.

وخلال العام الحالي، تراجعت إنتاجية الفحم بصورة طفيفة في الأشهر الخمسة الأولى، إذ بلغ الإنتاج 1.98 مليار طن متري، بانخفاض 0.3% عن الفترة نفسها من العام السابق. ويعود هذا التراجع المحدود إلى تشديد إجراءات السلامة بعد حادث منجم في مقاطعة شانشي أودى بحياة 82 شخصاً. ومع ذلك، قد تعود مستويات الإنتاج إلى الارتفاع في النصف الثاني من العام، ما يجعل الإنتاج السنوي قريباً من المستوى القياسي المسجل في العام الماضي والبالغ 4.823 مليار طن.

ومنذ عام 2000، تضاعف إنتاج الفحم تقريباً ثلاث مرات، وهو ما يوضح أن الفحم لم يعد مجرد مصدر كهرباء، بل تحول إلى عنصر بنيوي في الاقتصاد الصناعي الصيني. وفي الخطة الجديدة، اكتفت السلطات بالإشارة إلى أن استهلاك الفحم سيبلغ ذروته بحلول 2030، دون تحديد مستوى تلك الذروة أو المسار المتوقع بعد ذلك.

التحول الصناعي يزيد الطلب على الفحم في الكيماويات

على المدى المتوسط، قد لا يتراجع الطلب على الفحم بالسرعة التي يتوقعها كثيرون، لأن استخدامه في القطاع الكيماوي مرشح للزيادة. فقد قفزت كمية الفحم المستخدمة في التحويل إلى كيماويات من نحو 20 مليون طن في 2005 إلى ما يراوح بين 320 مليوناً و380 مليون طن هذا العام، في تطور يعكس انتقال جزء من الطلب من الوقود التقليدي إلى المواد الصناعية.

هذا المسار يثير تحدياً بيئياً واضحاً، لأن إنتاج الكيماويات من الفحم أكثر كثافة في الانبعاثات من إنتاجها من النفط الخام. وتشير التقديرات إلى أن هذا القطاع مسؤول بالفعل عن ما بين 5% و7% من إجمالي انبعاثات الصين. ومع ذلك، قد تجد بكين نفسها مندفعة أكثر نحو هذا الخيار إذا تراجعت واردات النفط الخام، خاصة مع توسع أساطيل المركبات الكهربائية الخفيفة والثقيلة.

المنطق الاقتصادي هنا بسيط: إذا انخفض توفر النفط الخام أو ارتفعت تكلفته، تصبح الصناعات المحلية أكثر ميلاً إلى تعظيم الاستفادة من الفحم الوطني، حتى لو كان ذلك على حساب الانبعاثات. وبالنسبة لاقتصاد صناعي واسع مثل الصين، فإن تأمين المواد الأولية للبلاستيك والكيماويات والمنتجات التحويلية قد يظل أولوية لا تقل أهمية عن خفض الكربون.

واردات النفط تتراجع وسط اضطرابات جيوسياسية

أظهرت بيانات التجارة الصينية أيضاً أن اعتماد البلاد على النفط الخام المستورد قد يكون بلغ مرحلة استقرار أو حتى بدء التراجع. ففي عام 2025، سجلت الصين مستوى قياسياً بلغ 11.6 مليون برميل يومياً من الواردات، لكن التدفقات تراجعت هذا العام بعد اضطرابات حادة في أسواق الطاقة عقب الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.

وفي مايو، هبطت الواردات إلى 7.79 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ ثماني سنوات، ما خفض المتوسط خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 إلى 10.56 مليون برميل يومياً، بانخفاض 4.8% عن الفترة نفسها من العام الماضي. كما يُتوقع أن تبقى الواردات ضعيفة في يونيو، بعدما فضّلت المصافي السحب من المخزونات بدلاً من الشراء بأسعار مرتفعة.

وقد ساهمت هذه التطورات في تقليص الاعتماد على الشحنات الفورية، خصوصاً بعد الارتفاع الحاد في أسعار الخام إثر الهجمات على إيران وتأثير ذلك في تدفق الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً قبل اندلاع الأزمة.

توازن صعب بين أمن الإمداد وخفض الانبعاثات

تبدو الصين، في ضوء الخطة الجديدة، وكأنها تراهن على نموذج طاقي مزدوج: توسيع غير مسبوق للطاقة الشمسية والرياح من جهة، والحفاظ على الفحم كمخزن أمان صناعي وطاقي من جهة أخرى. هذا التوازن لا يلغي أهداف خفض الانبعاثات، لكنه يضعها داخل إطار أوسع يراعي الاستقرار الاقتصادي والأمن الوطني.

وفي النهاية، يظهر أن مسار الصين لن يكون انتقالاً خطياً من الفحم إلى الطاقة النظيفة، بل إعادة توزيع تدريجية لأدوار مصادر الطاقة داخل الاقتصاد. فالكهرباء ستصبح أكثر اعتماداً على المصادر غير الأحفورية، لكن الفحم سيبقى لفترة طويلة جزءاً من معادلة الإنتاج والتصنيع والكيماويات، ما يجعل الصين لاعباً فريداً يجمع بين قيادتين متزامنتين في سوق الطاقة العالمي.