28-Jun-2026 5 دقائق قراءة

الصين توسع استخدام اليوان عالمياً وتشدّد الرقابة على المخاطر المالية

أعلنت الصين حزمة إجراءات جديدة لتعزيز تدويل اليوان وتسهيل الوصول إلى السيولة بالعملة المحلية، بالتوازي مع تشديد الرقابة على المخاطر المالية ودعم التمويل الموجه إلى الصناعات الناشئة.

دفعة جديدة لتدويل العملة الصينية

أطلقت الصين حزمة إجراءات تستهدف توسيع استخدام اليوان خارج الحدود، في خطوة تعكس استمرار بكين في تقليص اعتمادها على الدولار داخل المعاملات التجارية والمالية الدولية. وتأتي هذه التحركات في وقت تسعى فيه السلطات إلى ترسيخ حضور العملة الصينية في المدفوعات العابرة للحدود، وتسهيل تعامل المؤسسات الأجنبية معها على نحو أوسع.

وتشمل الإجراءات الجديدة منح عدد من البنوك تراخيص لإجراء معاملات اليوان الخارجي في منطقة التجارة الحرة في شنغهاي، وهي واحدة من أبرز المنصات التي تعتمد عليها الصين لتجربة السياسات المالية والاقتصادية قبل توسيعها على نطاق أوسع. وتراهن بكين على أن هذا المسار سيساعد في زيادة تداول اليوان في الأسواق الخارجية وربطه أكثر بحركة التجارة والاستثمار.

كما تعمل السلطات النقدية على إنشاء أداة جديدة تتيح للبنوك المركزية الأجنبية وصناديق الثروة السيادية والمؤسسات المالية الدولية الحصول على سيولة باليوان بسهولة أكبر، في إشارة إلى رغبة واضحة في جعل العملة الصينية أكثر قابلية للاستخدام في الاحتياطيات والتسويات المالية خارج البلاد.

أدوات سيولة جديدة في السوق المحلية

لم تقتصر التحركات على الجانب الخارجي فقط، بل شملت أيضاً إجراءات مرتبطة بإدارة السيولة داخل السوق الصينية. فقد أعلن البنك المركزي تطوير أداة جديدة لتوفير اليوان للسلطات النقدية الأجنبية المؤهلة، إلى جانب توسيع نطاق عمليات إعادة الشراء العكسي لأجل ليلة واحدة، بهدف تحسين مرونة النظام المالي المحلي وتعزيز القدرة على إدارة السيولة اليومية.

وتأتي هذه الخطوات في وقت يشهد فيه الاقتصاد الصيني تباطؤاً نسبياً في نمو الائتمان، وهو ما أشار إليه محافظ بنك الشعب الصيني عندما قال إن استمرار التوسع الائتماني بالوتيرة السابقة لم يعد ضرورياً. وتعكس هذه الرسالة توجهاً نحو موازنة احتياجات النمو مع متطلبات الاستقرار المالي، بدلاً من الاعتماد على التوسع الائتماني كأداة رئيسية لدعم النشاط الاقتصادي.

ويبدو أن صناع السياسة في الصين يحاولون الانتقال إلى مرحلة أكثر دقة في إدارة السيولة، بحيث تكون الأدوات النقدية موجهة بشكل أفضل إلى القطاعات والمؤسسات التي تحتاج دعماً حقيقياً، مع تقليل الاعتماد على ضخ واسع للائتمان قد يفاقم المخاطر المستقبلية.

تشديد الرقابة على المخاطر النظامية

بالتوازي مع جهود تدويل اليوان، شددت الجهات التنظيمية الصينية لهجتها بشأن المخاطر المالية. فقد تعهد رئيس الهيئة الوطنية للتنظيم المالي بمنع المخاطر النظامية في القطاع، والعمل على توجيه الموارد إلى الصناعات الناشئة التي تراهن عليها البلاد في تحولها الاقتصادي. ويعكس هذا الموقف إدراكاً متزايداً لحساسية المرحلة التي تمر بها الصين، في ظل ضغوط على العقارات والاستهلاك والديون المحلية.

وأكد المسؤول أن السلطات ستواصل احتواء المخاطر داخل المؤسسات المالية الصغيرة، إلى جانب التعامل مع التحديات المرتبطة بقطاع العقارات وديون الحكومات المحلية. كما أشار إلى أن انتقال المخاطر عبر الحدود وبين الأسواق أصبح أكثر وضوحاً، ما يجعل التنسيق الرقابي ضرورة ملحة في المرحلة الحالية.

وفي هذا السياق، تسعى الجهات التنظيمية إلى تعزيز قواعد رأس المال لدى المؤسسات المالية من خلال قنوات متعددة، بما يرفع قدرتها على امتصاص الصدمات ويحد من احتمالات انتقال الضغوط إلى النظام المالي الأوسع. ويشير هذا التوجه إلى أن الصين لا تكتفي بتوسيع الأدوات الداعمة للنمو، بل تعمل أيضاً على ضبط البيئة المالية قبل أن تتراكم الاختلالات.

اقتصاد صيني يواجه مزيجاً معقداً من الضغوط

تأتي هذه القرارات في وقت تواجه فيه الصين اختلالات اقتصادية متزامنة. فالاستهلاك المحلي لا يزال ضعيفاً، وقطاع العقارات يواصل الضغط على النمو، بينما تظهر بعض القطاعات التكنولوجية والصناعية الناشئة، مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي، كقاطرة بديلة للنشاط الاقتصادي.

وتظهر البيانات الأخيرة صورة متباينة للاقتصاد الثاني في العالم. فقد تراجعت مبيعات التجزئة في مايو للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات، كما انخفض الاستثمار، في حين تسارع الإنتاج الصناعي. وتعكس هذه الأرقام اقتصاداً يتحرك بسرعات مختلفة، حيث تنتعش بعض القطاعات الحديثة بينما لا تزال قطاعات تقليدية رئيسية تعاني من الضعف.

في المقابل، تراهن بكين على أن توجيه التمويل نحو الصناعات المستقبلية قد يساعد في إعادة تشكيل هيكل النمو، مع تقليل الاعتماد على القطاعات التي أصبحت أكثر عرضة للمخاطر، وعلى رأسها العقارات والأنشطة المرتبطة بالديون.

بين الانفتاح المالي والحذر الرقابي

توضح الخطوات الصينية الأخيرة أن السياسة الاقتصادية في بكين تتحرك على مسارين متوازيين: الأول يهدف إلى تعزيز موقع اليوان في النظام المالي العالمي، والثاني يسعى إلى تشديد الرقابة على المخاطر الداخلية وحماية الاستقرار المالي. وهذا التوازن بين الانفتاح والحذر يبدو محورياً في المرحلة المقبلة.

فمن جهة، تريد الصين تقليص هيمنة الدولار في التجارة والمدفوعات الدولية، ورفع جاذبية اليوان في التعاملات الخارجية. ومن جهة أخرى، تدرك السلطات أن أي توسع مالي أو نقدي غير مضبوط قد يفاقم الضغوط على القطاعات الضعيفة، خصوصاً مع استمرار التحديات في العقار والديون المحلية.

وبين هذين الهدفين، تحاول الصين إعادة صياغة أدواتها المالية بما ينسجم مع مرحلة اقتصادية أكثر تعقيداً، حيث لم يعد النمو السريع وحده كافياً، بل أصبحت جودة النمو وإدارة المخاطر جزءاً أساسياً من المعادلة الاقتصادية.