الأعمال والاقتصاد الرقمي 26-Jun-2026 6 دقائق قراءة

الاقتصاد الصيني يسجل أول تراجع في مبيعات التجزئة منذ أكثر من 3 سنوات وسط انقسام حاد بين الصناعة والاستهلاك

تظهر البيانات الرسمية اتساع اختلالات الاقتصاد الصيني مع هبوط الاستهلاك والاستثمار، مقابل استمرار قوة الصناعة والتكنولوجيا، في إشارة إلى اقتصاد يتحرك بسرعتين ويواجه ضغوطاً متزايدة لدعم الطلب المحلي.

اقتصاد صيني يتحرك بسرعتين

تكشف البيانات الرسمية الأخيرة عن اتساع الخلل في بنية الاقتصاد الصيني، مع استمرار الضعف في الاستهلاك المحلي والاستثمار، في وقت تحافظ فيه الصناعة على وتيرة نمو أفضل مدعومة بالطلب الخارجي وازدهار قطاع التكنولوجيا. هذا التباين يعكس صورة اقتصادية أكثر تعقيداً من مجرد تباطؤ دوري، إذ يتركز الزخم في الأنشطة المرتبطة بالتصدير والصناعات المتقدمة، بينما تبقى المحركات الداخلية تحت ضغط واضح.

وأظهر تقرير حديث أن مبيعات التجزئة في الصين انكمشت بنسبة 0.6 في المائة خلال مايو، وهو أول هبوط شهري من هذا النوع منذ أكثر من ثلاث سنوات، كما جاء أقل من توقعات السوق التي كانت ترجح استقرارها. ويأتي ذلك بعد زيادة طفيفة قدرها 0.2 في المائة في أبريل، ما يؤكد أن تعافي الاستهلاك لا يزال هشاً وغير مستقر.

ضعف الطلب المحلي يضغط على النمو

يمثل تراجع الإنفاق الاستهلاكي مؤشراً مهماً على استمرار الحذر لدى الأسر الصينية، في ظل تباطؤ نمو الدخل وتردد المستهلكين في زيادة الإنفاق. وتزداد هذه الضغوط مع استمرار أزمة العقارات، التي لا تزال تؤثر في الثقة والقدرة على الاقتراض، إلى جانب محدودية أثر برامج التحفيز الموجهة إلى دعم الشراء والإنفاق.

كما أن تراجع مبيعات التجزئة لا يعكس مشكلة قطاع بعينه بقدر ما يشير إلى حالة أوسع من الضعف في الطلب الداخلي. وهذا الضعف يحد من قدرة الاقتصاد على الاعتماد على الاستهلاك كقاطرة رئيسية للنمو، خصوصاً في ظل بقاء الاستثمار الخاص متحفظاً، واستمرار الأسر في تأجيل قرارات الشراء الكبيرة.

الصناعة والتكنولوجيا تعوضان جزئياً

على الجانب الآخر، حافظ الإنتاج الصناعي على مسار توسعي، إذ ارتفع 4.5 في المائة على أساس سنوي في مايو، بعد نمو بلغ 4.1 في المائة في الشهر السابق، متجاوزاً تقديرات السوق. ويعكس هذا الأداء قوة الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة والطلب العالمي، ما يمنح الاقتصاد الصيني مصدراً مهماً للتوازن في مواجهة التباطؤ الداخلي.

وسجلت الصناعات عالية التقنية نمواً لافتاً بلغ 15.1 في المائة، مستفيدة من الطلب العالمي المتزايد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحلول التقنية المتقدمة. ويشير هذا الأداء إلى أن الصين ما زالت قادرة على الحفاظ على موقع قوي في سلاسل القيمة الصناعية العالمية، حتى مع ضعف واضح في مكونات الطلب المحلي.

غير أن هذه القوة الصناعية لا تكفي وحدها لتصحيح الاختلالات الأساسية. فالنمو المدفوع بالتكنولوجيا والصادرات يوفر دعماً مهماً للناتج، لكنه لا يعالج بالضرورة مشكلة التباطؤ في الاستهلاك أو الضغوط في القطاع العقاري، ما يخلق صورة أقرب إلى اقتصاد منقسم بين مسارين مختلفين.

الاستثمار والعقارات يواصلان التراجع

سجل الاستثمار بدوره أداءً أضعف من المتوقع، مع انخفاض الاستثمارات في الأصول الثابتة بنسبة 4.1 في المائة خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، وهو تراجع أشد من الفترة السابقة وأسوأ من تقديرات السوق. ويعكس هذا الهبوط استمرار الحذر في قرارات التوسع الرأسمالي لدى الشركات، في بيئة اقتصادية تتسم بعدم اليقين وضعف العوائد المتوقعة.

أما القطاع العقاري، فما زال يشكل أحد أكبر مصادر الضغط على الاقتصاد الصيني. فقد تراجع الاستثمار العقاري بنسبة 16.2 في المائة، مع استمرار انخفاض مبيعات المنازل الجديدة، وتراجع أسعار العقارات في المدن الكبرى بوتيرة أسرع نسبياً. وتؤثر هذه التطورات في الثقة العامة وفي الثروة الأسرية، كما تفرض عبئاً إضافياً على الأنشطة المرتبطة بالإنشاءات والتمويل المحلي.

ويرى محللون أن استمرار هبوط سوق الإسكان ينعكس مباشرة على رغبة الأسر في الاقتراض والإنفاق، خاصة مع تباطؤ نمو الأجور ووجود مخاوف من استقرار سوق العمل. وبهذا، تتحول العقارات من محرك للنمو إلى عنصر كبح يضغط على الاستهلاك والاستثمار معاً.

آفاق النمو والسياسات المطلوبة

رغم الأداء القوي للصناعة، يظل الاقتصاد الصيني معرضاً لتباطؤ أوسع إذا لم يتحسن الطلب الداخلي في النصف الثاني من العام. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن النمو في الربع الثاني قد ينخفض إلى نحو 4.5 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة في الربع الأول، ما يعكس استمرار الصعوبات الهيكلية حتى مع قوة قطاع التصدير.

كما أن الفائض التجاري الكبير، رغم أنه يدعم النشاط الصناعي، قد يزيد من التوترات مع الشركاء التجاريين للصين، خصوصاً إذا استمرت الصادرات في تحقيق أداء يفوق قدرة الاقتصاد المحلي على الامتصاص. وهذا يجعل معادلة النمو أكثر حساسية بين ضرورة الحفاظ على تنافسية الصناعة والحاجة إلى إعادة التوازن نحو الاستهلاك المحلي.

وفي هذا السياق، قد تحتاج السلطات إلى إجراءات إضافية لتحفيز الطلب الداخلي، سواء عبر دعم أكثر مباشرة للأسر أو عبر سياسات توسع الاستثمار المحلي وتخفف آثار أزمة العقارات. لكن التحدي الأساسي يظل في إيجاد توازن بين دعم النمو القصير الأجل ومعالجة الاختلالات البنيوية التي تتراكم منذ سنوات.

صورة اقتصادية معقدة

تؤكد البيانات الأخيرة أن الاقتصاد الصيني لا يواجه تباطؤاً عاماً فقط، بل نمطاً غير متكافئ من النمو؛ إذ تتحرك الصناعة والتكنولوجيا بسرعة، بينما يواصل الاستهلاك والاستثمار التعثر. هذه الفجوة تفسر لماذا تبدو المؤشرات الكلية أفضل من واقع الطلب الداخلي، ولماذا لا تنعكس قوة بعض القطاعات بالضرورة على الأسر أو سوق العقارات.

وبينما تواصل الصين الاستفادة من موقعها الصناعي والتكنولوجي، يبقى اختبارها الأساسي في قدرتها على إعادة التوازن إلى الاقتصاد وتوسيع قاعدة النمو الداخلي. فاستدامة التعافي لن تتحقق عبر الصادرات وحدها، بل عبر استعادة ثقة المستهلك، وتحسين بيئة الاستثمار، ومعالجة الضغوط العالقة في العقارات والطلب المحلي.