الأعمال والاقتصاد الرقمي 09-Jun-2026 5 دقائق قراءة

تراجع تحصيل الرسوم يضغط على شركات إدارة العقارات في الصين مع استمرار أزمة الإسكان

تواجه شركات إدارة العقارات في الصين ضغوطاً متزايدة مع تراجع تحصيل رسوم الصيانة من الملاك، ما يهدد الإيرادات ويعمّق آثار ركود القطاع العقاري على قيمة الأصول والخدمات في المجمعات السكنية.

تتسع تداعيات الركود العقاري في الصين لتطال قطاعاً كان يُنظر إليه لسنوات باعتباره أقل القطاعات تعرضاً للصدمات: شركات إدارة العقارات. فمع تراجع أسعار المساكن وازدياد الشكوك بشأن مستقبل السوق، تواجه هذه الشركات صعوبة متزايدة في تحصيل رسوم الصيانة والإدارة من ملاك الوحدات السكنية، وهو ما يضغط على الإيرادات ويهدد جودة الخدمات في المجمعات السكنية.

الأزمة لا تتعلق فقط بمشكلة تحصيل الرسوم، بل تمتد إلى العلاقة بين السكان وإدارات المجمعات. بعض الملاك يمتنعون عن الدفع لأنهم لا يستطيعون تحمل التكلفة في ظل تباطؤ الاقتصاد، بينما يستخدم آخرون الامتناع عن السداد كورقة ضغط لخفض الأسعار. وفي المقابل، بدأت شركات إدارة ممتلكات بالانسحاب من بعض المشاريع، خصوصاً تلك التي أصبحت فيها معدلات التحصيل منخفضة إلى حد يجعل الاستمرار غير مجدٍ مالياً.

تراجع الأسعار يغير سلوك الملاك

مع هبوط أسعار المنازل، تغيّرت نظرة كثير من السكان إلى قيمة أصولهم وتكلفة تشغيلها. في فترات الطفرة العقارية كان دفع رسوم الإدارة يُنظر إليه كجزء طبيعي من الحفاظ على قيمة الأصل. أما اليوم، وبعد أن فقدت بعض الوحدات جزءاً من قيمتها، صار بعض الملاك أكثر ميلاً للتوقف عن السداد، خصوصاً إذا كانوا يعتقدون أن الخدمات المقدمة لا تعكس الرسوم المطلوبة.

هذا السلوك يتغذى على حلقة مفرغة: انخفاض التحصيل يدفع الشركات إلى تقليص عملياتها أو الانسحاب من مشاريع معينة، ما يؤدي إلى تدهور النظافة والحراسة والإضاءة وصيانة المصاعد والمرافق العامة. ومع تراجع مستوى الخدمة، تتراجع رغبة السكان في الدفع أكثر، كما تتأثر قيمة العقارات نفسها، فتزداد الضغوط على السوق المحلي.

في بعض المجمعات التي تعاني من نسب إشغال منخفضة، تزداد المشكلة تعقيداً بسبب وجود وحدات مملوكة لمطورين متعثرين أو شاغرة منذ سنوات. كما أن عدداً كبيراً من الوحدات اشتراه مستثمرون خلال سنوات الفقاعة العقارية، ثم فقدوا الحافز لتحمل التكاليف الإدارية بعد انهيار الأسعار، خاصة إذا لم يعودوا يعتقدون بإمكانية استرداد قيمة استثماراتهم.

معدلات التحصيل تهبط إلى مستويات مقلقة

تشير بيانات القطاع إلى أن التحصيل لدى أكبر شركات إدارة العقارات في الصين تراجع بوضوح خلال السنوات الأخيرة. فقد انخفض متوسط التحصيل لدى أكبر 500 شركة إلى 71% في العام الماضي، مقارنة بـ89% في 2021. ويقول مسؤولون في القطاع إن عام 2025 شهد أكبر هبوط، وإن الاتجاه السلبي استمر بعد ذلك مع اتساع أثر ضعف السوق العقارية.

وتعتبر الشركات أن معدلات التحصيل المنخفضة تتحول سريعاً إلى عبء تشغيلي. فحين تنخفض الإيرادات دون حد معين، يصبح من الصعب تمويل خدمات الحراسة والصيانة والتنظيف، وتبدأ الشركات بمراجعة عقودها أو الخروج من المشروعات التي لا تحقق تدفقاً نقدياً كافياً. وفي بعض الحالات، تكون الكلفة القانونية للنزاعات مع الملاك غير المسددين أعلى من العائد المتوقع، ما يدفع الشركات إلى الانسحاب بدلاً من خوض معارك طويلة.

ويشير محللون إلى أن الهامش المالي يتآكل بسرعة عندما تهبط نسب التحصيل إلى ما دون 85%، وهي عتبة يعتبرها كثيرون حاسمة لاستدامة التشغيل. أما الشركات الصغيرة وغير المدرجة، فتبدو أكثر هشاشة، إذ تُسجل نسب تحصيل أقل من 65% في بعض الحالات، ما يجعل قدرتها على الاستمرار محدودة.

انسحاب الشركات يفاقم تآكل القيمة

انسحاب شركات الإدارة لا يعني فقط تبدل المشغل، بل قد يفتح الباب أمام تراجع إضافي في قيمة الأصول داخل المجمعات المتضررة. فعندما تتدهور خدمات النظافة والأمن والصيانة، يبدأ المشترون المحتملون في خصم جزء من السعر المتوقع. ووفق تقديرات خبراء عقاريين، يمكن للوحدات الموجودة في مجمعات تعاني من قصور واضح في الإدارة أن تخسر ما يصل إلى 25% من قيمتها.

وفي إحدى الحالات في مدينة تشينهوانغداو الساحلية، أبلغت شركة إدارة مرتبطة بمجموعة فاندِي مالكي المجمع بأنها ستنسحب من المشروع بعد سنوات من العمل، مستندة إلى التراجع غير القابل للاستمرار في تحصيل الرسوم. بعض السكان قالوا إنهم كانوا راضين عن مستوى الخدمة، لكن آخرين امتنعوا عن السداد لأكثر من عامين على أمل الضغط لخفض الرسوم الشهرية.

هذا النوع من الخلافات يعكس واقعاً جديداً في السوق العقارية الصينية: الخدمة لم تعد مجرد عنصر ثانوي، بل أصبحت مؤشراً على سلامة الأصل نفسه. فالمشتري المحتمل لا ينظر فقط إلى موقع الشقة أو مساحتها، بل أيضاً إلى مستوى الإدارة المحيط بها، لأن الإهمال في التفاصيل اليومية قد ينعكس مباشرة على قدرة العقار على الاحتفاظ بقيمته.

المجتمعات المحلية تحت ضغط التدخل

مع تفاقم النزاعات بين الملاك وشركات الإدارة، تتزايد الضغوط على السلطات المحلية للتدخل والحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات. ففي عدد من المناطق، بدأت حكومات على مستوى المقاطعات بإصدار تعليمات لموظفيها ولأعضاء الحزب الحاكم بضرورة الالتزام بسداد الرسوم في مواعيدها، في محاولة لتشجيع بقية السكان على فعل الشيء نفسه.

لكن التدخل الحكومي لا يقتصر على الرسائل الرمزية. ففي بعض الحالات، تدفع السلطات باتجاه إدخال شركات مملوكة للدولة لإدارة المجمعات التي تعجز عن إيجاد بديل خاص، وذلك لتفادي تراكم المشكلات مثل تراكم القمامة، ضعف الأمن، تعطل المصاعد أو الإضاءة، وتدهور المساحات الخضراء.

وتشير هذه التطورات إلى أن أزمة العقارات لم تعد محصورة في المطورين أو المشترين الجدد، بل أصبحت مسألة إدارة يومية للبنية السكنية القائمة. وعندما تنسحب الشركات من مشاريع متعثرة، يتعين على السلطات المحلية البحث سريعاً عن حلول مؤقتة لمنع تحول الخلافات المالية إلى أزمة خدمات عامة قد تمس الاستقرار الاجتماعي.

تراجع الثقة في سوق الإسكان الأوسع

تأتي أزمة شركات إدارة العقارات ضمن صورة أشمل لسوق إسكان يواجه فائضاً في المعروض، ومعدلات شغور مرتفعة، وضغوطاً على الأسعار، وتراجعاً في الطلب. وتقول تقديرات مصرفية إن المخزون غير المباع في الصين يعادل من حيث المساحة الإجمالية نحو ضعف مساحة لندن الكبرى، ما يوضح حجم الاختلالات التي لا تزال تثقل القطاع.

كما أن توسع امتلاك أكثر من مسكن واحد لدى شريحة من الأسر يزيد من تعقيد المشهد. فوجود عدد كبير من الملاك غير المقيمين أو المضاربين يجعل حافزهم على دفع الرسوم أضعف، خصوصاً إذا كانت الوحدات مخصصة كاستثمار غير مستخدم أو إذا فقدوا الثقة في مسار الأسعار مستقبلاً.

في هذا السياق، تبدو شركات إدارة العقارات الحلقة التالية التي تنعكس عليها صدمة السوق. فبعد أن كانت هذه الشركات من المستفيدين من موجة التوسع العمراني، أصبحت الآن تواجه تبعات نفس الدورة التي غذت نموها السابق. ومع استمرار هبوط الأسعار وتباطؤ التحصيل وتزايد الانسحابات، يبدو أن الضغط على هذا القطاع سيبقى قائماً ما دام التعافي العقاري غير واضح المعالم.

وبينما تحاول الشركات تقليص خسائرها، يواجه السكان واقعاً أكثر هشاشة: خدمات أقل، نزاعات أكثر، واحتمال أكبر بأن يتحول تراجع الإدارة إلى سبب إضافي لانخفاض الأسعار. هكذا تتشابك أزمة العقارات مع أزمة الإدارة اليومية، في مشهد يعكس مدى عمق التباطؤ الاقتصادي داخل واحدة من أكبر أسواق الإسكان في العالم.