شهد القطاع الخاص غير النفطي في السعودية تحسناً ملحوظاً خلال مايو، بعدما تسارع نشاطه إلى أعلى وتيرة في ثلاثة أشهر، مستفيداً من قوة الطلب المحلي وهدوء نسبي في اضطرابات سلاسل الإمداد. ورغم هذا التحسن، بقيت ثقة الأعمال محدودة بفعل استمرار التوترات الإقليمية وما تخلّفه من ضبابية على آفاق التجارة والطلب الخارجي.
وأظهر أحدث مسح لمؤشر مديري المشتريات أن النشاط الاقتصادي غير النفطي استعاد جزءاً من زخمه بعد تباطؤ مؤقت في مارس وأبريل، مع تسجيل نمو واضح في الإنتاج وتحسن في مستويات المبيعات داخل السوق المحلية. وأبقى ذلك المؤشر الرئيسي فوق عتبة 50 نقطة الفاصلة بين التوسع والانكماش، بما يؤكد استمرار القطاع في منطقة النمو.
إنتاج أقوى وعودة المشاريع المؤجلة
جاء التحسن في الأداء التشغيلي مدفوعاً بعودة الحركة إلى عدد من العقود والمشاريع التي كانت قد تباطأت أو تأجلت في وقت سابق. كما ساعدت زيادة الطلب من العملاء داخل المملكة على رفع مستويات الإنتاج، في إشارة إلى أن الأنشطة غير النفطية ما زالت تستفيد من دورة إنفاق محلية مرنة.
وأفادت النتائج بأن الشركات المشاركة في المسح رصدت نشاطاً أكثر توازناً مع استئناف الأعمال في قطاعات مختلفة، الأمر الذي عزز قدرتها على تلبية الطلبات المتراكمة وتسريع تنفيذ الأعمال. ونتيجة لذلك، ارتفع الإنتاج إلى أسرع وتيرة نمو له خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة.
الطلب الخارجي يبقى أضعف من المحلي
في المقابل، لم يواكب الطلب الخارجي هذا التحسن. فقد واصلت الطلبات الجديدة من خارج المملكة التراجع للشهر الثالث على التوالي، متأثرة بتعقيدات الشحن الدولي وارتفاع تكاليف النقل والوقود، إلى جانب التوترات الجيوسياسية التي ألقت بظلالها على حركة التجارة.
وأشارت القراءة إلى أن هذه الضغوط حدّت من زخم الطلبيات الجديدة بشكل عام، وجعلت النمو في إجمالي الأعمال أقل من متوسطه طويل الأجل. ومع ذلك، تراجع معدل الانكماش الخارجي بصورة طفيفة مقارنة بشهر أبريل، ما يوحي بأن التراجع لا يزال قائماً لكنه بدأ يفقد شيئاً من حدته.
التوظيف يعود إلى النمو
من أبرز المؤشرات الإيجابية خلال الشهر عودة التوظيف إلى مسار الصعود بعد انخفاض طفيف في الشهر السابق، وهو أول تراجع من نوعه خلال عامين. ويعكس هذا التطور ثقة أكبر لدى الشركات في استدامة الطلب، إلى جانب حاجتها إلى تعزيز طاقتها التشغيلية لمواجهة تراكم الأعمال.
وبحسب المسح، ظل حجم الأعمال غير المنجزة في الارتفاع للشهر الحادي عشر على التوالي، ما دفع العديد من المنشآت إلى تعيين موظفين إضافيين بهدف تقليص الضغط على فرق العمل وتسريع إنجاز الطلبات. ويعد هذا الاتجاه من المؤشرات المهمة على أن الشركات لا تكتفي بالحفاظ على مستوى التشغيل، بل تتحرك تدريجياً نحو التوسع.
سلاسل التوريد تتحسن للمرة الأولى منذ فبراير
سجلت بيئة الإمداد تطوراً إيجابياً مع تحسن أوقات التسليم للمرة الأولى منذ فبراير. وأرجعت الشركات ذلك إلى زيادة الاعتماد على الموردين المحليين، وهو ما خفف من أثر التأخيرات المرتبطة بالنقل الدولي وساعد على استقرار تدفق المواد والسلع اللازمة للإنتاج.
هذا التحسن شجع الشركات على رفع مشترياتها استعداداً للفترة المقبلة، في خطوة تهدف إلى تأمين المدخلات وتقليل مخاطر التعطل في سلاسل الإمداد. ويعكس ذلك أيضاً اتجاهاً أوسع نحو تعزيز المشتريات الوقائية في بيئة تتسم بعدم اليقين الخارجي.
ضغوط التكلفة تبقى مرتفعة
رغم تراجع بعض مؤشرات التضخم عن مستوياتها القياسية في أبريل، فإن تكاليف التشغيل بقيت مرتفعة على نحو ملحوظ. واستمرت الشركات في الإبلاغ عن زيادات في أسعار المشتريات ورسوم الموردين وكلف الشحن، بينما سجل تضخم الأجور تباطؤاً للشهر الثالث على التوالي ليبقى عند مستوى محدود.
ومع استمرار الضغط على الهوامش، لجأت المنشآت غير النفطية إلى رفع أسعار البيع مرة أخرى خلال مايو. ورغم أن وتيرة الزيادة كانت أبطأ من الشهر السابق، فإنها ظلت من بين الأعلى في تاريخ المسح، ما يشير إلى قدرة الشركات على تمرير جزء من الكلفة إلى المستهلك النهائي بشكل تدريجي.
قراءة اقتصادية تدعم مرونة القطاع الخاص
تعكس بيانات مايو صورة أكثر توازناً للاقتصاد غير النفطي في السعودية، إذ يظهر أن التباطؤ الذي رُصد في بداية الربع الثاني كان مؤقتاً أكثر منه تحولاً هيكلياً. فالنشاط المحلي ما زال يوفر أساساً صلباً للنمو، مدعوماً باستئناف المشاريع وتحسن بيئة الأعمال واستمرار الإنفاق المرتبط بالبنية التحتية والخدمات.
كما أن المؤشرات المتصلة بالتوظيف والمشتريات والإنتاج توضح أن الشركات تتعامل مع الطلب المحلي باعتباره المحرك الرئيسي للنشاط في المرحلة الحالية، في وقت تبقى فيه الأسواق الخارجية أكثر حساسية للتقلبات الجيوسياسية واللوجستية.
وتتوافق هذه الصورة مع مسار أوسع من التحول الاقتصادي في المملكة، حيث يواصل القطاع الخاص الاستفادة من توسع الأنشطة غير النفطية، وزيادة مشاركة الشركات في المشاريع المحلية، وتحسن القدرة على إدارة سلاسل الإمداد. كما أن مستويات التضخم المنخفضة نسبياً تمنح الاقتصاد المحلي هامشاً أفضل للحفاظ على وتيرة نمو مستقرة.
وبالنسبة إلى الأشهر المقبلة، ستظل قدرة القطاع غير النفطي على الحفاظ على هذا الزخم مرتبطة بثلاثة عوامل أساسية: استمرار قوة الطلب المحلي، وتخفيف الضغوط على التجارة الخارجية، والحفاظ على استقرار التكاليف. وإذا بقيت هذه العوامل ضمن نطاق مقبول، فقد يواصل النشاط الخاص تسجيل أداء إيجابي حتى نهاية العام.