كثّفت الصين تحركاتها لدعم حضور عملتها في الأسواق الدولية، عبر حزمة إجراءات تستهدف توسيع استخدام اليوان خارج الحدود وتحسين إدارة السيولة داخل النظام المالي المحلي، في وقت تواجه فيه البلاد إعادة تشكيل اقتصادية معقّدة وانتقالاً تدريجياً في مصادر النمو نحو التكنولوجيا والابتكار.
وتأتي هذه الخطوات ضمن مقاربة أوسع تتبناها بكين لتقليل الاعتماد على الدولار في المعاملات العابرة للحدود، وتعزيز قدرة مؤسساتها المالية على التعامل مع التدفقات الرأسمالية المتغيرة، خصوصاً مع زيادة اهتمام المستثمرين الأجانب، بما في ذلك البنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية، بالأصول الصينية.
أدوات جديدة لدعم تدويل اليوان
في منتدى لوجياتسوي السنوي في شنغهاي، أعلن محافظ بنك الشعب الصيني بان غونغشنغ عن إجراءات عملية لدعم اليوان في الخارج، من بينها السماح لستة بنوك حكومية كبرى، مثل بنك الصين وبنك التعمير الصيني، بإجراء معاملات اليوان الخارجي في منطقة التجارة الحرة في شنغهاي.
كما كشف عن إطلاق أداة تمويل جديدة تحمل اسم اتفاقية إعادة شراء اليوان بالرنمينبي، وهي آلية تتيح للبنوك المركزية الأجنبية وصناديق الثروة السيادية الحصول على سيولة باليوان بصورة أسهل، مقابل رهن سندات صينية عالية التصنيف. وتُعد هذه الخطوة مهمة لأنها تمنح حاملي الأصول الصينية قناة مباشرة لإدارة احتياجاتهم النقدية دون الحاجة إلى التخارج السريع من السوق.
وبحسب بان، فإن تدفق المستثمرين الأجانب إلى سوق السندات الصينية يتسارع، ومعه تزداد الحاجة إلى حلول فعالة لإدارة السيولة. كما أشار إلى أن الصين تواصل توسيع انفتاح أسواقها المالية، لكن ذلك يجري بحذر، نظراً لتزايد الترابط بين الأسواق واحتمال انتقال الصدمات المالية بوتيرة أسرع من السابق.
رسائل حذرة بشأن الانفتاح المالي
الرسالة التي خرجت من المنتدى لم تكن اقتصادية فقط، بل تنظيمية أيضاً. فالمسؤولون الصينيون شددوا على أن الانفتاح المالي سيستمر، لكنه سيظل مضبوطاً بقواعد صارمة لتفادي المخاطر النظامية. وقال بان إن تعمّق الأسواق وتطورها قد يزيد من سرعة انتقال الاضطرابات بين القطاعات والأسواق، وهو ما يفرض على السلطات مراقبة أكثر دقة لحركة التمويل والأصول.
هذه المقاربة تعكس توازناً حساساً تحاول بكين الحفاظ عليه: تشجيع تدفق الأموال الأجنبية، وفي الوقت نفسه منع تكوّن فقاعات أو موجات ذعر قد تضر بالاستقرار المالي. ويبدو أن هذا النهج يكتسب أهمية إضافية مع تحول الاقتصاد الصيني بعيداً عن الاعتماد التقليدي على العقارات والاستثمار الثقيل، نحو الصناعات المعتمدة على التقنية العالية.
وفي هذا السياق، جاءت التصريحات التنظيمية لتؤكد أن الصين لا تكتفي بتوسيع القنوات التمويلية، بل تسعى أيضاً إلى ضبط سلوك السوق وتقليل المخاطر المرتبطة بالتعاملات العابرة للحدود والأنشطة غير المنظمة.
إدارة السيولة الداخلية تتصدر الأولويات
على صعيد السوق المحلية، أوضح البنك المركزي أنه سيزيد تنوع عمليات إعادة الشراء العكسي لليلة واحدة، في محاولة لتحسين إدارة السيولة اليومية في النظام المالي. كما يدرس آلية جديدة لدعم المؤسسات المالية غير المصرفية عند التعرض لأزمات، مع مراعاة عدم خلق حوافز سلبية قد تشجع على المجازفة المفرطة.
وتبرز أهمية هذه التحركات في وقت تتغير فيه طبيعة التمويل داخل الصين. فالنمو الائتماني لم يعد يؤدي الدور نفسه الذي لعبه في العقود الماضية، بينما تنمو أهمية السندات والأسهم كمصادر تمويل بديلة. ووفقاً لمحافظ البنك المركزي، فإن من غير الواقعي أن يستمر الائتمان البنكي في النمو بالوتيرة القديمة، لأن الاقتصاد نفسه دخل مرحلة إعادة هيكلة أعمق.
هذا التحول يحمل دلالة مهمة لقطاع الأعمال. فالشركات الصينية، لا سيما في الصناعات الجديدة، أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على أسواق رأس المال بدل القروض المصرفية التقليدية. كما أن إدارة السيولة لم تعد وظيفة مصرفية بحتة، بل أداة لتثبيت التوازن في السوق المالية ككل، بما يشمل تكلفة التمويل وتدفقات الاستثمار.
التمويل يتجه إلى التكنولوجيا والقطاعات الناشئة
في موازاة ذلك، أكد كبير المسؤولين التنظيميين في القطاع المصرفي، دينغ شيانغ تشون، أن الجهات الرقابية ستعمل على حماية النظام المالي من المخاطر النظامية، مع توجيه الموارد نحو الصناعات المستقبلية. وأشار إلى قدرة السلطات على معالجة التحديات المرتبطة بالمؤسسات الصغيرة، وملف العقارات، وديون الحكومات المحلية.
كما شدد على أن الجهات التنظيمية ستدعم المؤسسات في تنويع مصادر رأس المال لتعزيز قدرتها على الصمود. وفي المقابل، ستتخذ موقفاً أكثر صرامة تجاه المنافسة غير المنظمة والأنشطة المالية غير القانونية، بما يعكس حرصاً على ضبط السوق من دون إغلاقه أمام الابتكار.
وتتقاطع هذه الرسائل مع صورة الاقتصاد الصيني الحالية، حيث يضعف الاستهلاك، ويظل قطاع العقارات تحت الضغط، بينما يواصل الاستثمار التقدم في مجالات مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي. وقد انعكس هذا التباين في البيانات الأخيرة، مع تباطؤ مبيعات التجزئة وتراجع الاستثمار، في مقابل تسارع الإنتاج الصناعي.
حصص استثمارية جديدة وتشديد على القنوات المنظمة
ضمن الإطار نفسه، أعلن رئيس هيئة تنظيم سوق الصرف الأجنبي الصينية، تشو هيكسين، عن خطط لإصدار حصص إضافية في برنامج الاستثمار الخارجي للمستثمرين المؤسسيين المحليين المؤهلين. ويعني ذلك أن بكين تريد توجيه رؤوس الأموال إلى الخارج عبر مسارات منظمة، بدل السماح بخروجها بطرق غير رسمية أو مضاربة.
ويأتي هذا الإعلان بعد حملة صينية صارمة على الاستثمارات العابرة للحدود غير القانونية في أواخر مايو، ما يشير إلى أن السلطات لا تزال تعتبر التحكم في حركة رأس المال أولوية رئيسية. وفي الوقت نفسه، قال وو تشينغ، كبير مسؤولي تنظيم الأوراق المالية، إن سوق الأسهم الصينية ستتبنى الثورة التكنولوجية بشكل نشط، لكنها ستظل متشددة تجاه المضاربة والتلاعب.
بهذا، تحاول الصين بناء نموذج سوق أكثر عمقاً وأعلى كفاءة، مع إبقاء المخاطر تحت السيطرة. فالهدف ليس فقط توسيع حجم السوق، بل تحسين جودتها وقدرتها على خدمة الاقتصاد الحقيقي، خصوصاً القطاعات التي تراهن عليها الدولة في المرحلة المقبلة.
اليوان الرقمي يدخل مرحلة أوسع من التعاون
ومن الإشارات المهمة على هذا المسار، أن مركز عمليات اليوان الرقمي التابع لبنك الشعب الصيني وقّع قبل يوم واحد اتفاقيات مشاركة مباشرة مع 26 مؤسسة مالية في شنغهاي، في خطوة ترمي إلى توسيع استخدام اليوان الإلكتروني عالمياً.
ويعكس هذا التطور رغبة الصين في ربط التدويل النقدي بالابتكار الرقمي، بحيث لا يقتصر اليوان على كونه وسيلة تسوية تقليدية، بل يصبح أيضاً جزءاً من منظومة المدفوعات الحديثة. وبينما لا تزال آثار هذه الخطوات تتبلور، فإنها تضع الصين في موقع أكثر نشاطاً داخل سباق العملات الرقمية السيادية.
وفي المحصلة، تجمع الاستراتيجية الصينية الحالية بين ثلاثة أهداف مترابطة: تعزيز دور اليوان عالمياً، تحسين سيولة النظام المالي، وضبط المخاطر في اقتصاد يمر بمرحلة انتقالية. وإذا نجحت بكين في الموازنة بين هذه العناصر، فقد يمنحها ذلك مساحة أكبر لإعادة تشكيل دورها في النظام المالي الدولي.
لكن الطريق ليس خالياً من التعقيدات، لأن تدويل العملة يتطلب ثقة مستدامة في السوق والسياسات، فيما يتطلب التحول الاقتصادي الداخلي مرونة مالية وتنظيماً صارماً في آن واحد. ولهذا تبدو الرسالة الأوضح من شنغهاي أن الصين تريد توسيع حضورها المالي عالمياً، دون التفريط بقدرتها على إدارة المخاطر داخلياً.