تعافٍ سريع متوقع لمصافي الشرق الأوسط
تتجه أنظار أسواق الطاقة إلى الفترة التي تلي انتهاء أزمة الإمدادات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز، بعدما قدّرت فيتول البحرين أن المصافي في الشرق الأوسط قادرة على العودة إلى مستويات تشغيل قريبة من الطبيعية خلال 40 إلى 60 يوماً. وتُظهر هذه التقديرات أن القطاع قد يستعيد ما بين 90 و95 في المائة من طاقته الإنتاجية خلال تلك المدة، إذا ما انتهت الاضطرابات الحالية في حركة الإمدادات.
ويعكس هذا التقدير حجم المرونة التشغيلية في البنية التكريرية الإقليمية، لكنه في الوقت نفسه يبرز هشاشة سلاسل الإمداد عندما تتأثر الممرات البحرية الحيوية. فإغلاق مضيق هرمز، ولو لفترة محدودة، ينعكس سريعاً على تدفقات الخام والمنتجات المكررة، ويضغط على المصافي والناقلات والأسعار معاً.
وأشار بدر نور الدين، المدير الإقليمي للأبحاث في فيتول البحرين، إلى أن المصافي الخليجية، بما فيها المصافي الواقعة في سلطنة عمان جنوب المضيق، خسرت نحو ثلاثة ملايين برميل يومياً من طاقة التكرير نتيجة الإغلاق. وهذا الرقم يوضح أن الأزمة لم تكن مجرد اختناق مؤقت في الشحن، بل تعطلاً واسع النطاق في جانب مهم من منظومة الطاقة الإقليمية.
الأسواق تراقب المخزونات الأميركية والإشارات على الطلب
في الولايات المتحدة، أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة تراجعاً حاداً في مخزونات النفط الخام خلال الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار تقلبات السوق العالمية. فقد هبطت المخزونات بمقدار 8 ملايين برميل لتصل إلى 433.7 مليون برميل، وهو انخفاض أكبر من التقديرات التي كانت تشير إلى تراجع بنحو 4 ملايين برميل فقط.
كما انخفضت مخزونات الخام في مركز كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 583 ألف برميل، إلى جانب تراجع عمليات تكرير النفط الخام بمقدار 90 ألف برميل يومياً. ورغم ذلك، ارتفعت معدلات تشغيل المصافي الأميركية إلى 94.7 في المائة، بزيادة طفيفة بلغت 0.2 نقطة مئوية، ما يشير إلى استمرار نشاط التكرير عند مستويات مرتفعة.
أما مخزونات البنزين فقد ارتفعت 3.4 مليون برميل لتصل إلى 215 مليون برميل، في مفاجأة للأسواق التي كانت تتوقع انخفاضاً طفيفاً. كذلك زادت مخزونات نواتج التقطير، ومن بينها الديزل وزيت التدفئة، بمقدار 1.5 مليون برميل إلى 102.3 مليون برميل. وتشير هذه البيانات مجتمعة إلى أن الطلب الموسمي ونشاط المصافي وتغير أنماط الاستهلاك ما زالت جميعها عناصر مؤثرة في مسار السوق.
وأظهرت البيانات أيضاً أن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام تراجع بمقدار 249 ألف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي، وهو تطور يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى صورة السوق العالمية، خاصة مع تقلبات الإمدادات من الشرق الأوسط.
العراق يبحث عن مسارات تصدير بديلة
في العراق، تتحرك الحكومة لزيادة صادرات الخام عبر قنوات بديلة بعد تعطل حركة الناقلات في الخليج بسبب الحرب بين إيران، وهو ما دفع بغداد إلى إعادة تقييم خياراتها اللوجستية. وذكر مسؤولون في وزارة النفط أن العراق يعتزم رفع صادراته عبر خط الأنابيب المؤدي من حقوله الشمالية إلى ميناء جيهان التركي بأكثر من ثلاثة أمثالها خلال شهرين ونصف الشهر.
وكانت الحكومة العراقية قد أعلنت هدفاً يتمثل في الوصول إلى 770 ألف برميل يومياً من الصادرات، في خطوة تعكس رغبة واضحة في تقليص الاعتماد على مسار واحد للتصدير. ويشمل هذا الهدف خامات من الحقول الشمالية العراقية ومن حقول إقليم كردستان، ما يعني أن الملف النفطي يرتبط أيضاً بتوازنات داخلية معقدة.
وتدرس بغداد كذلك إعادة تأهيل خطوط أنابيب شمالية غير مستخدمة منذ فترة طويلة، بما يسمح لها بالتصدير إلى ميناء جيهان من دون المرور عبر إقليم كردستان شبه المستقل. كما تبحث عن مسارات إضافية، بينها اتفاق محتمل مع سوريا لتصدير خامات البصرة الخفيف والبصرة المتوسط والبصرة الثقيل عبر ميناءي بانياس وطرطوس على البحر المتوسط.
وتشير هذه الخطط إلى أن العراق يسعى إلى بناء شبكة تصدير أكثر تنوعاً، ليس فقط لمواجهة الأزمات الجيوسياسية، بل أيضاً لتعزيز قدرته على الوصول إلى الأسواق العالمية بسرعة ومرونة أكبر. ومن المتوقع أن يكون نجاح هذه التحركات عاملاً مهماً في تحديد حجم الصادرات العراقية خلال الأشهر المقبلة.
الاتحاد الأوروبي يربط التوسع الرقمي بمعايير جديدة للطاقة
على جانب آخر من المشهد الاقتصادي، أعلن الاتحاد الأوروبي أنه سيضع معايير جديدة لكفاءة الطاقة في مراكز البيانات، في ظل نمو سريع يرفع الضغط على شبكات الكهرباء ويثير مخاوف متزايدة بشأن الاستدامة. وتتوقع التقديرات أن تتضاعف سعة مراكز البيانات في الاتحاد الأوروبي بأكثر من مرتين خلال السنوات المقبلة، لتصل إلى 28 غيغاواط بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 12 غيغاواط في العام الماضي.
هذا التوسع سيزيد حصة مراكز البيانات من استهلاك الكهرباء في الاتحاد الأوروبي إلى أكثر من 2.5 في المائة، وهو مستوى يعكس الأهمية المتنامية للبنية التحتية الرقمية في الاقتصاد الأوروبي. ومع تزايد الاعتماد على الخدمات السحابية والحوسبة والذكاء الاصطناعي، أصبحت مراكز البيانات جزءاً محورياً من النشاط الاقتصادي، لكنها في المقابل تستهلك كميات كبيرة من الطاقة والمياه.
وقالت المفوضية الأوروبية إنها ستحدد معايير أداء دنيا للمراكز الجديدة والقائمة، مع إجراء تقييم للاحتياجات بحلول عام 2027. كما يجري العمل على معيار للاستدامة يشمل استخدام المياه وتوفير الطاقة النظيفة، على أن تُلزم المنشآت الكبيرة بنشر بياناتها. وتؤكد هذه الخطوات أن السياسة الأوروبية باتت ترى في إدارة استهلاك الطاقة داخل القطاع الرقمي قضية تنافسية وتنظيمية في آن واحد.
وتأتي هذه التحركات ضمن حزمة أوسع تهدف إلى دعم قدرات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي داخل أوروبا، وتقليل الاعتماد على الشركات التقنية الكبرى. وتشمل الحزمة أيضاً استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لتسريع تراخيص مشاريع الطاقة الجديدة، وتمويل أدوات رقمية تساعد في إدارة شبكة الكهرباء بكفاءة أعلى.
مشهد واحد يربط الطاقة بالاقتصاد الرقمي
تكشف التطورات الأخيرة عن تقاطع واضح بين أسواق النفط والبنية التحتية الرقمية. فمن جهة، ما تزال المصافي وخطوط الأنابيب وممرات الشحن البحرية تحدد إيقاع الإمدادات والتجارة العالمية. ومن جهة أخرى، يفرض النمو السريع لمراكز البيانات على الحكومات إعادة التفكير في استهلاك الكهرباء، وكفاءة الشبكات، وشروط الاستدامة.
وبين تعافي مصافي الشرق الأوسط المتوقع، وتحركات العراق لفتح منافذ جديدة، وتشديد أوروبا لقواعد الطاقة في القطاع الرقمي، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد تداخلاً أكبر بين أمن الطاقة والتحول الرقمي. وهذا التداخل سيظل مؤثراً في قرارات الشركات والحكومات على حد سواء، سواء في أسواق النفط أو في الاقتصاد القائم على البيانات والحوسبة.