12-Jul-2026 5 دقائق قراءة

إكسون موبيل وقطر للطاقة تعلنان الجدوى التجارية لحقلَي غاز بحريين في قبرص

وقعت إكسون موبيل وقطر للطاقة اتفاقاً مع قبرص لإعلان الجدوى التجارية لحقلَي غاز بحريين، في خطوة تعزز طموحات شرق المتوسط لتصدير مزيد من الغاز إلى أوروبا.

خطوة رسمية نحو تطوير موارد الغاز القبرصية

أعلنت إكسون موبيل وقطر للطاقة، بالتنسيق مع الحكومة القبرصية، إقرار الجدوى التجارية لحقلين بحريين للغاز في شرق البحر المتوسط، في تطور يعد من أهم المحطات في مسار تطوير الموارد الطاقية البحرية في قبرص. ويأتي الإعلان بعد سنوات من أعمال الاستكشاف والتقييم، ليمنح المشروع دفعة عملية نحو المراحل التالية من التطوير.

وجرى توقيع الاتفاق في نيقوسيا، حيث وصفه المسؤولون بأنه انتقال من مرحلة الاكتشاف إلى مرحلة أقرب إلى الاستثمار والتنفيذ. ويعكس ذلك اهتماماً متزايداً بتحويل الاكتشافات البحرية في شرق المتوسط إلى مشاريع قادرة على دعم أمن الطاقة الإقليمي، وتوفير إمدادات إضافية للأسواق الأوروبية التي تبحث عن مصادر أكثر تنوعاً للغاز.

احتياطيات كبيرة ومؤشرات على مشروع طويل الأمد

كانت إكسون موبيل قد أعلنت سابقاً عن اكتشافات في الحقلين المعروفين باسم غلاوكوس وبيغاسوس. ووفق تقديرات مسؤولين قبرصيين، قد يتراوح حجم الاحتياطيات المجمعة بين ثمانية وتسعة تريليونات قدم مكعب، وهو نطاق يضع المشروع ضمن الاكتشافات المهمة في المنطقة.

ورغم هذه الأرقام، فإن الطريق إلى الإنتاج التجاري لا يزال يتطلب خطوات إضافية. فالمسؤولون أوضحوا أن هناك حاجة إلى مزيد من أعمال الحفر قبل الانتقال إلى مرحلة الهندسة والتصميم الأولية، ما يعني أن الجدول الزمني للمشروع ما زال مرتبطاً بنتائج فنية ومالية لاحقة.

وفي هذا السياق، قال جون أرديل، نائب رئيس إكسون موبيل، إن القرار الاستثماري النهائي قد يصدر في حدود عام 2029، بينما يُتوقع أن يبدأ الإنتاج في 2033 إذا سارت المراحل المقبلة وفق الخطة الموضوعة.

مصر تبقى جزءاً محورياً في معادلة التسويق والنقل

لا يقتصر البعد التجاري للمشروع على قبرص وحدها، إذ يجري النظر إلى مصر باعتبارها نقطة عبور محتملة وأساسية لربط الاكتشافات القبرصية بأسواق أوسع. وكانت قطر للطاقة قد وقعت في مايو اتفاقاً أولياً مع إكسون موبيل والحكومة المصرية لدراسة تطوير الاكتشافات القبرصية وتسويقها عبر البنية التحتية القائمة للغاز وللغاز الطبيعي المسال في مصر.

وأشار أرديل إلى أن احتياطيات غلاوكوس وبيغاسوس يُرجح أن تنقل عبر خط أنابيب إلى مصر، وهو ما يعزز منطق التكامل الإقليمي بين حقول شرق المتوسط ومنشآت التسييل المصرية. وتأتي هذه المقاربة في وقت تسعى فيه الدول المنتجة إلى تقليل كلفة تطوير المشاريع البحرية عبر الاستفادة من بنية تحتية قائمة بدلاً من إنشاء منظومات جديدة بالكامل.

شرق المتوسط يرسخ موقعه كممر بديل لإمدادات أوروبا

يرى القائمون على الاتفاق أن المشروع يتجاوز كونه اكتشافاً محلياً، إذ يندرج ضمن تحولات أوسع في سوق الطاقة الأوروبية. فالحرب في أوكرانيا وما تبعها من إعادة ترتيب لخريطة الإمدادات جعلت أوروبا أكثر اهتماماً بمصادر الغاز القريبة جغرافياً والأكثر قابلية للربط السريع بشبكات النقل والتسييل.

وقال الرئيس القبرصي نيكوس كريستودوليدس إن الاتفاق يمثل تقدماً مهماً في تثبيت مكانة شرق البحر المتوسط كمسار بديل يمكن أن تعتمد عليه أوروبا في تأمين جزء من احتياجاتها. ويعكس هذا التصريح الرهان السياسي والاقتصادي الذي تضعه نيقوسيا على قطاع الغاز، باعتباره أداة لتعزيز مكانة البلاد داخل سوق الطاقة الإقليمية.

كما أن هذه الخطوة قد تدعم مشاريع أوسع في المنطقة، خاصة مع وجود اكتشافات أخرى قريبة نسبياً يمكن أن تستفيد من منظومات النقل نفسها. وفي حال نجاح نموذج الدمج بين الحقول القبرصية والبنية المصرية، فقد يصبح شرق المتوسط أكثر قدرة على تقديم الغاز بوصفه منتجاً إقليمياً متكاملاً لا مجرد حقول منفصلة.

احتمالات ربط اكتشافات إضافية بالبنية التحتية المصرية

لا يقتصر الاهتمام الحالي على الحقلين اللذين أعلنت بشأنهما الجدوى التجارية. فهناك أيضاً نقاشات حول إمكان ربط اكتشافات أخرى في قبرص بالبنية التحتية غير المستغلة بالكامل في مصر، بما في ذلك حقل أفروديت الذي تُقدّر احتياطاته بين 3.5 و4.5 تريليون قدم مكعب، وحقل كرونوس الذي تزيد احتياطاته على ثلاثة تريليونات قدم مكعب.

ويمثل هذا التوجه محاولة لتجميع عدة اكتشافات ضمن منظومة اقتصادية واحدة، بما يتيح خفض التكاليف وتسريع الوصول إلى الأسواق. وقد حصلت شيفرون على ترخيص العمل في أفروديت، فيما تعمل إيني الإيطالية في كرونوس بالشراكة مع توتال الفرنسية، ما يؤكد أن المشهد القبرصي بات يستقطب شركات طاقة دولية كبرى.

وفي بيئة الطاقة الحالية، لا تقاس أهمية هذه المشاريع بحجم الاحتياطي فقط، بل أيضاً بقدرتها على التقدم من مرحلة الاكتشاف إلى مرحلة التمويل والبنية التحتية والتصدير. ومن هنا، فإن إعلان الجدوى التجارية يعد خطوة ضرورية لكنه ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة أشد تعقيداً من التفاوض الهندسي والمالي والتجاري.

ما الذي يعنيه الإعلان للسوق والطاقة الإقليمية؟

يمنح الإعلان إشارة واضحة إلى أن شركات الطاقة العالمية لا تزال ترى في شرق المتوسط منطقة ذات قيمة استراتيجية، رغم التحديات الفنية والتكلفة المرتفعة المرتبطة بالمشاريع البحرية العميقة. كما يؤكد أن الغاز القبرصي ما زال يحتفظ بإمكانات اقتصادية يمكن أن تتعزز إذا توافرت قنوات نقل وتسويق فعالة.

بالنسبة لقبرص، فإن هذه الخطوة تعزز فرص تحويل الموارد البحرية إلى أصل اقتصادي ملموس، يمكن أن يدعم الاستثمار والوظائف والإيرادات العامة على المدى الطويل. أما بالنسبة لقطر للطاقة وإكسون موبيل، فهي تمثل تثبيتاً لموقعهما في واحد من أكثر أحواض الغاز متابعة على الساحة الدولية.

وفي المحصلة، لا يقتصر الإعلان على كونه تطوراً فنياً في مشروع واحد، بل يعكس اتجاهاً أوسع نحو إعادة رسم خريطة الغاز في شرق المتوسط، وربط اكتشافات البحار العميقة بممرات تصدير قادرة على خدمة أسواق أوروبا في السنوات المقبلة.