قفزة تاريخية في سوق الأسهم اليابانية
سجل مؤشر نيكي الياباني قفزة تاريخية بعدما اخترق مستوى 70 ألف نقطة للمرة الأولى، في جلسة اتسمت بترقب شديد لقرار بنك اليابان بشأن أسعار الفائدة. وجاءت الحركة الصعودية مدفوعة بتفاعل المستثمرين مع رفع الفائدة بما كان متوقعاً في السوق، من دون أن يرافقه خطاب شديد اللهجة أو إشارة إلى تسريع وتيرة التشديد النقدي.
وبحلول منتصف الجلسة، حافظ المؤشر على مكاسبه قرب أعلى مستوياته التاريخية، بعدما لامس مستوى 70020.68 نقطة في وقت سابق من التداول. ورغم أن المؤشر قلّص بعض مكاسبه لاحقاً، فإنه بقي قريباً من منطقة غير مسبوقة، ما يعكس استمرار الثقة في السوق اليابانية رغم تحولات السياسة النقدية.
في المقابل، تحرك مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً بوتيرة أضعف، إذ تراجع بعد مكاسب أولية أعقبت القرار، في إشارة إلى أن الصعود لم يكن واسع القاعدة بالكامل، بل تركز بدرجة أكبر في الأسهم القيادية المرتبطة بالتكنولوجيا والرقائق والبنية التحتية الرقمية.
بنك اليابان يرفع الفائدة دون صدمة للأسواق
رفع بنك اليابان أسعار الفائدة ضمن نطاق التوقعات، لكن أهم ما لفت انتباه المستثمرين كان غياب أي لهجة عاجلة تدفع الأسواق إلى إعادة تسعير سريعة لمسار السياسة النقدية. هذا التوازن بين التحرك التدريجي والحذر في الرسائل الرسمية ساعد على إبقاء رد الفعل في الأسواق معتدلاً نسبياً، خصوصاً في سوق الصرف.
ولم يشهد الين تغيراً حاداً عقب القرار، إذ حافظ على مكاسب طفيفة أمام الدولار، وبقي دون المستوى النفسي البالغ 160 يناً للدولار، وهو مستوى يراقبه المتعاملون عن كثب باعتباره منطقة حساسة قد تدفع السلطات إلى التدخل إذا تجاوزها ضعف العملة بصورة واضحة. كما تراجعت السندات الحكومية اليابانية بعد القرار، مع ارتفاع العوائد على مختلف الآجال.
وقال محللون في السوق إن بنك اليابان أرسل رسالة مفادها أنه مستمر في تطبيع السياسة النقدية، لكن بوتيرة لا تهدد السيولة أو أرباح الشركات. هذا النهج عزز شهية المخاطرة لدى المستثمرين في الأسهم، خاصة في القطاعات المرتبطة بالاستثمار الرأسمالي والتقنيات المتقدمة.
أسهم الذكاء الاصطناعي والرقائق تقود الارتفاع
من بين الأسهم المدرجة على مؤشر نيكي البالغ عددها 225 سهماً، ارتفعت أسعار 67 شركة فقط مقابل انخفاض 157 سهماً، وهو ما يوضح أن الأداء الإيجابي كان مدفوعاً بعدد محدود من الأسماء الثقيلة الوزن. ومع ذلك، كانت تلك الأسماء كافية لإحداث فارق واضح في اتجاه المؤشر العام.
وبرزت شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وسلاسل توريد الرقائق ضمن أكبر المستفيدين. فقد صعد سهم أدفانتست بنحو 3.6 في المائة، مستفيداً من الاهتمام المتزايد بقطاع اختبار الشرائح الإلكترونية. كما حققت أسهم ذات صلة بمراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية مكاسب قوية، إذ ارتفع سهم فوجيكورا بنسبة 8.6 في المائة، وسهم فوروكاوا إلكتريك بنسبة 4.2 في المائة.
ويعكس هذا الأداء استمرار تمركز السيولة العالمية حول الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والحوسبة عالية الأداء، وشبكات نقل البيانات، وهي قطاعات باتت تتصدر شهية المستثمرين في الأسواق الآسيوية والعالمية على حد سواء.
السندات اليابانية تحت الضغط والعوائد ترتفع
في سوق الدخل الثابت، انخفضت العقود الآجلة القياسية لسندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات، ما دفع العوائد إلى الصعود. وارتفع عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى 2.655 في المائة، بينما زاد عائد السندات لأجل سنتين إلى 1.405 في المائة، وصعد العائد على السندات لأجل 30 عاماً إلى 3.78 في المائة.
وتتحرك العوائد صعوداً عندما تتراجع أسعار السندات، وهو ما حدث بعد قرار بنك اليابان. وبحسب متعاملين، فإن السوق كانت قد شهدت في الأسابيع السابقة موجة هبوط في العوائد من مستويات مرتفعة، في ظل انحسار المخاوف التضخمية وتراجع بعض عوامل القلق الجيوسياسي.
كما أشار البنك المركزي في بيانه إلى أن المخاطر المرتبطة بالنمو الاقتصادي، والتي كانت مرتبطة بالتصعيد في الشرق الأوسط، قد تراجعت نسبياً، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن توقعات الأسعار لا تزال تتطلب مراقبة دقيقة. هذا التوازن بين الاطمئنان الحذر والانضباط النقدي يبقي الأسواق في حالة ترقب لمسار الفائدة خلال الاجتماعات المقبلة.
ما الذي يعنيه تجاوز نيكي مستوى 70 ألف نقطة؟
يمثل تجاوز نيكي حاجز 70 ألف نقطة أكثر من مجرد رقم رمزي؛ فهو يشير إلى استمرار قوة الأسهم اليابانية في بيئة اقتصادية معقدة تجمع بين رفع الفائدة، وتذبذب الين، وتغيرات الطلب العالمي على التكنولوجيا. كما أنه يبرز قدرة السوق على امتصاص قرارات نقدية أقل توسعاً من السابق من دون انهيار شهية المستثمرين.
ويعكس هذا الصعود أيضاً تحولاً في طريقة قراءة الأسواق لسياسة بنك اليابان. فبدلاً من النظر إلى رفع الفائدة باعتباره تهديداً مباشراً للأسهم، بات المستثمرون يراه خطوة تدريجية يمكن التعايش معها، طالما بقيت أسعار التمويل منخفضة نسبياً، واستمرت الشركات الكبرى في تحقيق نمو تشغيلي مدعوم بالطلب على تقنيات المستقبل.
كما أن بقاء الين أقل من مستويات تدخل محتملة يمنح المصدرين اليابانيين دعماً إضافياً، في وقت لا تزال فيه الأرباح الصناعية والتكنولوجية جزءاً محورياً من روافع السوق المحلية.
ترقب مستمر لمسار السياسة النقدية
رغم احتفالية الأسواق بالمستوى القياسي الجديد، فإن المشهد لا يخلو من التحديات. فاستمرار بنك اليابان في رفع الفائدة تدريجياً قد يضغط لاحقاً على تقييمات الأسهم، خصوصاً إذا ترافق مع تشدد أكبر في اللهجة أو مع تسارع في عوائد السندات طويلة الأجل. ومع ذلك، تبدو الرسالة الحالية واضحة: التحول النقدي في اليابان مستمر، لكنه يتم بحذر شديد.
وفي الأجل القريب، ستبقى الأنظار مركزة على أداء الين، واتجاه العوائد، ومدى استمرار قيادة أسهم الرقائق والذكاء الاصطناعي للمكاسب. وإذا احتفظت هذه القطاعات بزخمها، فقد يواصل نيكي اختبار قمم جديدة، حتى مع بيئة مالية أقل تيسيراً مما اعتادته الأسواق في السنوات الماضية.