ارتفعت أسعار النفط في تعاملات الثلاثاء بحدود طفيفة، لكن السوق بقيت حذرة بعدما انتقل تركيز المستثمرين من المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط إلى مسار الإمدادات العالمية ومستقبل الطلب خلال الأشهر المقبلة. وجاء التحرك المحدود بعد جلسات اتسمت بالهدوء النسبي، في وقت كانت الأسعار قد اقتربت من مستويات ما قبل التصعيد الأخير بين إيران والولايات المتحدة.
وسجل خام برنت ارتفاعاً بمقدار 28 سنتاً ليصل إلى 72.29 دولاراً للبرميل، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 29 سنتاً إلى 68.84 دولاراً للبرميل. ورغم هذا التحسن، فإن الحركة بقيت هامشية مقارنة بالتقلبات التي شهدتها السوق خلال الأسابيع الماضية، ما يعكس توازن المعطيات بين عودة الإمدادات وتحسن بعض العوامل الداعمة للأسعار.
الإمدادات تستعيد جزءاً من طاقتها
أحد الأسباب الرئيسية التي كبحَت أي ارتفاع أقوى في الأسعار هو التحسن التدريجي في تدفقات النفط من مناطق الإنتاج الرئيسية. فقد بدأت العلاوة المرتبطة بالمخاطر الفورية بالتراجع مع عودة جزء من المعروض إلى السوق، وهو ما خفف من حالة القلق التي سادت مع تصاعد التوترات العسكرية والتهديدات المرتبطة بالملاحة في الخليج.
وفي هذا السياق، رفعت الإمارات إنتاجها النفطي إلى أكثر من 3.8 مليون برميل يومياً خلال يونيو، وهو أعلى مستوى منذ أبريل 2020، متجاوزة المستويات التي كانت قائمة قبل اندلاع الحرب مع إيران. ويعكس ذلك قدرة المنتجين في المنطقة على استعادة جزء من الطاقة الإنتاجية بسرعة نسبية، وهو عامل مهم في تهدئة السوق ومنع استمرار الصعود الحاد في الأسعار.
كما اتفقت «أوبك بلس» على زيادة جديدة في مستهدفات الإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يومياً بدءاً من أغسطس، بعد زيادات مماثلة في يونيو ويوليو. وهذه الزيادات المتتالية تشير إلى ثقة التحالف النسبي في قدرة السوق على استيعاب مزيد من الخام، لكنها في الوقت نفسه تضيف ضغطاً على الأسعار إذا لم يقابلها نمو كافٍ في الاستهلاك.
الطلب يظل العامل الحاسم في المرحلة المقبلة
رغم التطورات الإيجابية على جانب العرض، يظل الطلب العالمي العامل الأهم في تحديد اتجاه السوق خلال الفترة المقبلة. ويرى محللون أن المستثمرين استوعبوا بالفعل قدراً كبيراً من الأخبار المرتبطة بعودة الإمدادات، وأن أي مكاسب إضافية في الأسعار ستحتاج إلى دلائل واضحة على تحسن الاستهلاك الفعلي، لا سيما في الصين التي تعد أكبر مستورد للخام في العالم.
وتشير التقديرات إلى أن السوق تدخل مرحلة أكثر حساسية، إذ لم يعد كافياً الاعتماد على عوامل التوتر الجيوسياسي لدفع الأسعار إلى مستويات أعلى. فالمتعاملون باتوا يراقبون مؤشرات نشاط المصافي، وحركة الشحن، ومستويات المخزونات، إضافة إلى بيانات النمو الصناعي في الاقتصادات الكبرى. وإذا جاءت هذه الإشارات أضعف من المتوقع، فقد تجد الأسعار صعوبة في الحفاظ على مستوياتها الحالية.
كما أن تراجع المخاوف بشأن تعطّل الملاحة عبر مضيق هرمز ساهم في تهدئة السوق، بعد أن كانت احتمالات التصعيد هناك تدفع المتعاملين إلى إضافة علاوة مخاطر كبيرة على الأسعار. ومع انحسار تلك المخاوف نسبياً، عادت السوق إلى التعامل مع النفط بوصفه سلعة تتأثر بالأساس بمعادلة العرض والطلب أكثر من تأثرها بالضغوط السياسية قصيرة الأجل.
السعودية تخفض سعر خامها الموجه إلى آسيا
من المؤشرات الأخرى التي تعكس مزاج السوق الحالي، خفض السعودية سعر البيع الرسمي لخامها العربي الخفيف إلى آسيا لشحنات أغسطس، بحيث أصبح أقل بمقدار 1.50 دولار للبرميل من متوسط خامي عمان ودبي. ويمثل هذا الخفض تراجعاً بمقدار 1.10 دولار عن الشهر السابق، وهو الأكبر من نوعه شهرياً منذ أكثر من عقدين.
ويقرأ المتعاملون هذا القرار باعتباره إشارة إلى رغبة المنتجين الرئيسيين في الحفاظ على تنافسية الخام السعودي في السوق الآسيوية، خصوصاً في ظل وفرة نسبية في المعروض ووجود شكوك بشأن وتيرة التعافي في الطلب الإقليمي. كما يعكس الخفض إدراكاً واضحاً بأن المشترين باتوا أكثر حساسية للأسعار، وأن أي تسعير مبالغ فيه قد يضغط على المبيعات.
وتكتسب آسيا أهمية خاصة في مسار النفط العالمي لأنها تمثل مركز الثقل للطلب المستقبلي، لذا فإن أي تغير في الأسعار الرسمية الموجهة إليها يوفر قراءة مبكرة عن توقعات الشركات المنتجة لمزاج السوق خلال الأسابيع التالية.
«أدنوك للتوزيع» توسع حضورها في أفريقيا
وفي تطور لافت ضمن قطاع الطاقة، أعلنت «أدنوك للتوزيع» توقيع اتفاق نهائي لشراء كامل أعمال «شل» في قطاع التكرير والتسويق والتوزيع في جنوب أفريقيا، ضمن صفقة تستهدف توسيع حضور الشركة خارج أسواقها التقليدية. وتبلغ القيمة المؤسسية الضمنية للعملية نحو مليار دولار مقابل كامل رأس المال، قبل تعديلات الدين ورأس المال العامل عند الإغلاق.
وتشمل الصفقة شبكة واسعة تضم 580 محطة وقود مملوكة أو تُدار عبر وكلاء، إلى جانب أعمال بيع الوقود بالجملة ووقود الطائرات وزيوت التشحيم. ومن المتوقع إتمام العملية في عام 2027 بعد الحصول على الموافقات التنظيمية المطلوبة، ما يجعلها واحدة من أبرز خطوات التوسع الخارجي للشركة خلال السنوات الأخيرة.
وستصبح جنوب أفريقيا السوق الرابعة لـ«أدنوك للتوزيع» بعد الإمارات والسعودية ومصر، في إطار استراتيجية تهدف إلى التحول إلى لاعب عالمي في تجارة الوقود بالتجزئة وخدمات التنقل. وكانت الشركة قد دخلت السوق المصرية في 2023 من خلال الاستحواذ على حصة 50 في المائة في شركة «توتال إنرجيز للتسويق مصر».
وقالت الشركة إن الصفقة يُتوقع أن تضيف إلى ربحية السهم نحو 6 في المائة في أول عام كامل بعد إتمامها، وهو مؤشر على أن التوسع الجغرافي لا يُنظر إليه فقط من زاوية الحجم، بل أيضاً من زاوية العائد المالي والتشغيل طويل الأجل. كما ستحتفظ «أدنوك للتوزيع» بعلامة «شل» التجارية لمحطات الخدمة وأعمال الزيوت بموجب ترخيص طويل الأجل.
اتفاق غازي جديد يعزز خطة أدنوك في آسيا
وفي مسار آخر مرتبط بالطاقة، وقعت «أدنوك» اتفاقاً لمدة 15 عاماً مع شركة «إنبكس» اليابانية لتوريد مليون طن سنوياً من الغاز الطبيعي المسال من مشروع الرويس. وتمثل الصفقة امتداداً لاستراتيجية الشركة الإماراتية الهادفة إلى تثبيت موقعها في سوق الغاز المسال الآسيوية، حيث يتوقع أن يستمر الطلب على هذا الوقود في النمو ضمن خطط التحول الطاقي.
وبحسب البيانات المعلنة، ارتفعت الالتزامات طويلة الأجل لمشروع الرويس إلى أكثر من 90 في المائة من طاقته الإنتاجية البالغة 9.6 مليون طن سنوياً، مع تخصيص نحو 23 في المائة من هذه الالتزامات للعملاء اليابانيين. ويمنح هذا المستوى من التعاقدات المشروع قاعدة إيرادات مستقرة قبل بدء التشغيل الكامل، كما يعكس الثقة في قدرة الغاز المسال على لعب دور أكبر في مزيج الطاقة الإقليمي والعالمي.
وتُعد اليابان من أبرز الأسواق الآسيوية المستوردة للغاز، ما يجعل الاتفاق الجديد ذا أهمية استراتيجية للطرفين: فهو يعزز أمن الإمدادات بالنسبة للمشترين اليابانيين، ويمنح «أدنوك» منفذاً طويل الأجل إلى سوق عالية القيمة.
ما الذي يراقبه المستثمرون الآن؟
تتجه أنظار المستثمرين حالياً إلى مجموعة من العوامل المتداخلة: مدى التزام «أوبك بلس» بخطط الزيادة التدريجية في الإنتاج، سرعة عودة الإمدادات من الخليج، مؤشرات الطلب في الصين وآسيا عموماً، وأي تطورات جديدة بشأن الملف الإيراني وممرات الشحن الحيوية. وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن سوق النفط دخلت مرحلة أكثر توازناً، أقل حساسية للعناوين السياسية وأكثر ارتباطاً بالأساسيات الاقتصادية.
وبينما لا تزال الأسعار تحافظ على دعم نسبي، فإن الحفاظ على هذا المستوى سيتطلب من الطلب العالمي أن يثبت أنه قادر على استيعاب المعروض الإضافي. وحتى يحدث ذلك، من المرجح أن تبقى حركة الخام محكومة بتقلبات محدودة واتجاهات متبادلة بين ضغط الإمدادات وإشارات الاستهلاك.