انتعاش بعد سنوات من التباطؤ
عاد نشاط استكشاف النفط والغاز في أستراليا إلى الواجهة بعد فترة طويلة من الحذر في الإنفاق، مع تسجيل القطاع أعلى مستوى للإنفاق الفصلي على الاستكشاف خلال عشر سنوات. ويعكس هذا التحسن تغيراً واضحاً في مزاج الشركات والمستثمرين، بعدما ساعدت مجموعة من العوامل في إعادة الزخم إلى قطاع الطاقة، من بينها ارتفاع الطلب الآسيوي على الغاز، وتطور تقنيات الحفر، وتحسن الرؤية الاستثمارية في السوق المحلية.
وتأتي هذه العودة في وقت تواجه فيه أستراليا معادلة صعبة: فهي من كبار مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى تأمين إمدادات كافية للسوق المحلية في نهاية العقد الجاري. هذا التوازن بين التصدير والاستهلاك الداخلي جعل قرارات الاستثمار أكثر حساسية، لكنه لم يمنع الشركات من استئناف البحث عن موارد جديدة.
وبحسب البيانات الرسمية، بلغ الإنفاق الفصلي على استكشاف النفط والغاز 471 مليون دولار أسترالي، أي ما يعادل نحو 329 مليون دولار أميركي، خلال الربع الأول من العام، وهو أعلى مستوى يُسجل منذ عقد كامل.
الطلب الآسيوي والتقنيات الجديدة يدعمان النشاط
أحد أهم محركات هذا التحسن هو استمرار الطلب الآسيوي القوي على الغاز، إلى جانب القناعة بأن الإمدادات العالمية تحتاج إلى توسع أكبر بعد اضطرابات جيوسياسية أثبتت هشاشة أسواق الطاقة. كما أن الشركات باتت أكثر استعداداً للمضي في مشاريع كانت سابقاً تُعد عالية المخاطر، لأن أدوات الحفر والتحليل الجيولوجي أصبحت أكثر دقة وأقل كلفة نسبياً.
ويرى محللون في القطاع أن التطور التكنولوجي خفف كثيراً من المخاوف المرتبطة بالمشروعات غير التقليدية، خصوصاً في المناطق التي تتطلب استثمارات أكبر أو تحمل تعقيدات جيولوجية أعلى. وبذلك، لم يعد قرار الاستكشاف يعتمد فقط على أسعار الغاز الحالية، بل أيضاً على قدرة الشركات على إدارة المخاطر وتحويل الاكتشافات إلى أصول قابلة للتطوير التجاري.
كما أسهم تحسن المناخ العام للاستثمار في تعزيز الإقبال. فالشركات الدولية والمحلية تنظر إلى السوق الأسترالية بوصفها قاعدة مهمة للإمداد، خصوصاً مع تنامي الحاجة إلى تنويع مصادر الغاز، سواء للأسواق الآسيوية أو للاستهلاك المحلي.
مناطق التنقيب الأكثر نشاطاً
تركز الجزء الأكبر من أعمال الاستكشاف في ثلاث مناطق رئيسية، هي حوض أوتواي البحري قبالة سواحل غرب فيكتوريا، وتكوين بيتالو الصخري في الإقليم الشمالي، وحوض تاروم في كوينزلاند. وتمثل هذه المناطق نماذج مختلفة من حيث طبيعة الموارد والجدوى التجارية، لكنها تشترك في أنها باتت تجذب اهتماماً أكبر من الشركات الباحثة عن فرص نمو جديدة.
في السنوات الأخيرة، اتجه الاستثمار في أستراليا بشكل أكبر إلى المناطق البرية، لكن الحقول البحرية عادت لتلفت الانتباه من جديد رغم ارتفاع كلفتها ومخاطرها. ويعود ذلك إلى محدودية الفرص السهلة، وإلى قناعة متزايدة بأن الاكتشافات المهمة قد تأتي من بيئات أكثر تعقيداً، إذا توفرت التقنيات المناسبة والتمويل الكافي.
ويقول مسؤولون في شركات استشارية إن الحماس المتجدد لا يقتصر على حقل واحد أو شركة واحدة، بل يعكس تحولاً أوسع في نظرة القطاع إلى المستقبل، حيث أصبحت المقاربة أكثر انتقائية، لكنها أيضاً أكثر جرأة في دخول المناطق غير التقليدية.
بيتالو تبرز كرهان للغاز الصخري
تعد منطقة بيتالو من أبرز الملفات التي تراقبها السوق حالياً، إذ تراهن السلطات المحلية على أن تتحول إلى مصدر رئيسي للغاز الصخري. وقد بدأت الحكومة الإقليمية بالفعل فتح مساحات جديدة أمام المستثمرين المحتملين، إلى جانب تقديم أشكال من التمويل المشترك لتسهيل الدخول إلى المنطقة.
وتستعد شركة سانتوس، ثاني أكبر منتج للغاز في أستراليا، لحفر ثلاثة آبار تقييمية هناك خلال هذا العام، في خطوة تعكس جدية الرهان على جدوى الحقل. كما استحوذت شركة إنبكس اليابانية على حصة في ترخيص بيتالو، ما يمنح المشروع بعداً دولياً إضافياً.
وفي حال نجح تطوير هذا المورد، فقد يوفّر مصدراً برياً جديداً للغاز لمحطة إيكثيس للغاز الطبيعي المسال في داروين، وهو ما قد يمنح المشروع أهمية استراتيجية أكبر لسلسلة الإمداد الأسترالية.
وتعتمد أعمال الحفر في بيتالو على منصات أكثر قوة وقدرة على تنفيذ آبار أفقية طويلة مع مراحل متعددة من التكسير الهيدروليكي، وهي تقنية باتت أساسية في المشاريع الصخرية الحديثة. ويعتبر بعض المستثمرين أن هذه الخبرة، خصوصاً إذا جاءت من شركات لديها سجل في الأسواق الأميركية، قد تساعد أستراليا على استثمار مواردها بصورة أكثر كفاءة.
آمال كبيرة ومخاوف بيئية وتنظيمية
على الرغم من التفاؤل الذي يحيط ببيتالو، فإن المشروع لا يلقى إجماعاً. فبعض المنتقدين يحذرون من أن تطوير الغاز الصخري قد يفرض أثراً بيئياً كبيراً بسبب استهلاك المياه والانبعاثات الناتجة عن الإنتاج والاستهلاك. وتزداد هذه الاعتراضات في المناطق الجافة التي تعاني شحاً مائياً، ما يجعل أي توسع في الحفر محل تدقيق حاد.
كما تلقي القرارات التنظيمية بظلالها على استثمارات القطاع. فخطة الحكومة لإلزام مصدري الغاز الطبيعي المسال بتخصيص 20 في المائة من الإنتاج للسوق المحلية أثارت قلقاً في أوساط الشركات، خاصة الأصغر حجماً، التي تخشى أن يؤدي ذلك إلى كبح الأسعار وبالتالي تقليص الحافز على ضخ المزيد من الأموال في الاستكشاف.
ومع ذلك، ترى الحكومة أن تأمين الإمدادات الداخلية أولوية لا يمكن تأجيلها، في ظل توقعات بنقص محتمل في الغاز المحلي مع نهاية العقد. ويجعل هذا الوضع السياسة الطاقية في أستراليا أكثر تعقيداً، إذ تحاول الدولة الجمع بين حماية المستهلك المحلي وعدم إضعاف تنافسية الصادرات.
أوتواي تظهر نتائج متباينة رغم الزخم
في حوض أوتواي البحري، ارتفع النشاط بشكل واضح، مع لجوء الشركات إلى تقاسم منصات الحفر بهدف خفض التكاليف. لكن النتائج حتى الآن جاءت متفاوتة، ما يعكس الطبيعة الصعبة للاستكشاف البحري، حيث يمكن أن تحمل الآبار مؤشرات واعدة من دون أن تتحول سريعاً إلى مشروعات تجارية متكاملة.
وكانت شركة كونوكو فيليبس قد حفرت بئرين في أواخر عام 2025، في أول نشاط استكشافي بحري من هذا النوع منذ سنوات. وأنتج أحد البئرين غازاً، بينما أظهر الآخر وجود غاز أيضاً ولكن بنسب أقل من المتوقع ومع مستويات أعلى من ثاني أكسيد الكربون، وهو عامل قد يعقّد التطوير مستقبلاً.
وتدرس الشركة حالياً مقترحاً لمشروع بحري يهدف إلى تعزيز الإمدادات إلى السوق المحلية. وإذا نجح هذا المسار، فقد يخفف بعض الضغوط على التزاماتها التصديرية، خصوصاً في بيئة يعاني فيها الساحل الشرقي الأسترالي من محدودية المعروض.
أما شركة أمبليتيود إنيرجي فقد واجهت اختباراً أقل نجاحاً عندما صُنّف أحد آبارها في مارس الماضي على أنه غير تجاري، لكنها لا تزال تقيّم خيارات الحفر التالية. ويشير ذلك إلى أن انتعاش الاستكشاف لا يعني بالضرورة نجاحاً فورياً، بل يعكس في كثير من الأحيان عملية تراكم بطيئة من المحاولات والاختبارات الفنية.
استثمارات جديدة رغم الضبابية
تشير تحركات السوق إلى أن رؤوس الأموال بدأت تعود تدريجياً إلى القطاع منذ أواخر العام الماضي، ولا سيما في حوض تاروم، حيث تسعى شركات إلى اختبار فرص الغاز الصخري. وفي هذا السياق، ظهرت شركات مثل أوميغا أويل آند غاز، التي انتهى بها الأمر إلى العثور على النفط بدلاً من الغاز الصخري، إلى جانب شحنات نفط خفيف نفذتها شل إلى مصفاة محلية بعد سنوات من النشاط في المنطقة.
ورغم هذه التطورات، يبقى المستثمرون حذرين. فالقطاع يحتاج إلى بيئة أكثر استقراراً، وإلى وضوح أكبر بشأن قواعد السوق المحلية، وإلى مسار تنظيمي يمكن التنبؤ به على المدى الطويل. ومن دون ذلك، قد يظل الزخم الحالي هشاً وقابلاً للتراجع إذا تغيرت شروط الاستثمار أو تراجعت الأسعار العالمية.
ومع ذلك، يبدو واضحاً أن الاستكشاف النفطي والغازي في أستراليا دخل مرحلة جديدة عنوانها العودة إلى الحفر بعد سنوات من التريث. وبين الحاجة إلى الإمدادات، والرهان على التقنيات الحديثة، والجدل حول التنظيم والبيئة، تحاول الصناعة أن ترسم لنفسها مساراً أكثر استدامة في سوق طاقة يزداد تعقيداً.