شهدت أسواق النفط العالمية عودة سريعة إلى مستويات سعرية أقرب لما كانت عليه قبل الحرب بين إيران وإسرائيل، لكن هذه العودة السطحية تخفي وراءها اختلالاً أكبر في حركة الإمدادات، إذ أدى استئناف المرور عبر مضيق هرمز إلى تدفق كميات كبيرة من الخام من الشرق الأوسط دفعة واحدة، ما خلق حالة من الاضطراب قد تستمر لأسابيع أو أشهر قبل أن تستقر.
الانخفاض الحاد في خام برنت إلى نحو 73 دولاراً للبرميل أعطى انطباعاً أولياً بأن السوق استوعبت الصدمة وعادت إلى وضعها الطبيعي. غير أن ما يجري فعلياً أقرب إلى إعادة تشغيل متعثرة لسوق تعطلت لأكثر من مئة يوم، حين كان المضيق شبه مشلول بفعل النزاع، وهو الممر الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز عالمياً.
موجة ناقلات عالقة تعود إلى البحر
أحد أبرز مظاهر المرحلة الحالية يتمثل في سباق الناقلات المحاصرة داخل الخليج لمغادرة المنطقة بعد انتهاء القيود الفعلية على الحركة. كثير من السفن التي بقيت عالقة خلال الحرب تحاول اليوم الخروج بسرعة، ما يرفع حجم المعروض المتجه إلى السوق في وقت قصير ويضغط على منظومة النقل والتخزين معاً.
وأشارت تقديرات أمريكية إلى أن التدفقات عبر المضيق تجاوزت لفترة وجيزة مستويات ما قبل الحرب البالغة نحو 20 مليون برميل يومياً. لكن بيانات تتبع السفن توحي بأن الحركة الإجمالية ما تزال دون المتوسط المعتاد الذي كان يقارب 125 عبوراً يومياً قبل اندلاع النزاع، فيما يبدو أن بعض السفن تعمد إلى تعطيل أجهزة التتبع خلال العبور، وهو ما يزيد الغموض حول الصورة الحقيقية للتدفقات.
ورغم صعوبة قياس الأرقام بدقة، فإن النتيجة الواضحة هي أن السوق يتلقى مزيداً من خام الشرق الأوسط في وقت أقصر من المعتاد، وهو ما يخلق ضغطاً فورياً على سلاسل النقل والتسليم.
الإمداد لا يكتمل من دون سفن عائدة
لا يكفي خروج الشحنات من الخليج كي يستعيد السوق توازنه. فعودة الإنتاج إلى الحقول والمصافي التي توقفت خلال الحرب تعتمد أيضاً على وصول ناقلات إلى المنطقة لتحميل الخام المخزن على اليابسة، ثم نقله إلى الأسواق المستهلكة. وإذا لم تتوفر هذه الرحلات الداخلة بوتيرة كافية، فإن تعافي العرض لن يسير بسلاسة.
تظهر هذه المشكلة بوضوح لدى منتجين مثل الكويت والعراق والبحرين وقطر، الذين لا يملكون بدائل كثيرة أو مسارات تصدير موازية خارج المضيق. ولذلك فإن أي اختناق في حركة الناقلات ينعكس سريعاً على قدرتهم على استئناف الصادرات بكامل الطاقة.
ورغم هذه القيود، فإن التقديرات المتاحة تشير إلى أن التعطل في الإنتاج داخل الخليج بدأ يتراجع بالفعل، مع هبوط حجم الإمدادات المتوقفة إلى 9.6 مليون برميل يومياً في منتصف يونيو من 11.7 مليون برميل يومياً قبل ثلاثة أسابيع. كما يُتوقع أن تعود المنطقة إلى مستويات الإنتاج السابقة للحرب بحلول ديسمبر، ما لم تطرأ تطورات جديدة.
إيران تضيف طبقة جديدة من الإرباك
العامل الأكثر حساسية في معادلة العرض يتمثل في إيران نفسها. فمع تعليق معظم العقوبات التي كانت تقيد صادرات النفط الإيرانية وعمليات بيعه، يُتوقع أن ترفع طهران إنتاجها بسرعة خلال الفترة المقبلة. وتشير تقديرات بحثية إلى أن الإنتاج الإيراني قد يصل إلى 3.3 مليون برميل يومياً بنهاية العام إذا استمر تخفيف العقوبات.
هذا الاحتمال يعني أن السوق لا يواجه فقط عودة الإمدادات الخليجية المعلقة، بل أيضاً إضافة خام جديد من إيران إلى المنظومة في توقيت متقارب. وبذلك ينتقل المشهد من نقص حاد في المعروض إلى احتمال تدفق مفرط، وهو تحول سريع نادراً ما تستوعبه السوق من دون تقلبات سعرية حادة.
من نقص حاد إلى تخمة مؤقتة
في المدى القصير، يبدو أن الطلب لا يواكب هذا الاندفاع في الإمدادات. فقد قامت المصافي في آسيا وأوروبا بتأمين احتياجاتها من الخام لشهري يوليو وأغسطس إلى حد كبير، ما يترك البراميل الإضافية دون وجهة فورية. ونتيجة لذلك، قد تضطر بعض الناقلات إلى البقاء في البحر لفترات أطول، لتتحول عملياً إلى مخازن عائمة خارج السوق.
هذه الديناميكية تعطي انطباعاً بأن السوق ينتقل من أزمة نقص إلى ما يشبه التخمة المؤقتة. وقد بدأت الأسعار تعكس هذا التحول، إذ جرى تداول عقود خام برنت الآجلة لشهر أغسطس دون عقد سبتمبر للمرة الأولى منذ بدء الحرب، في إشارة إلى دخول السوق في بنية سعرية تُعرف باسم الكونتانغو، حيث تصبح التسليمات الأبعد زمناً أغلى من القريبة.
مثل هذا النمط السعري قد يستمر لبعض الوقت إلى أن تتم إزالة التكدس في الممرات والموانئ، لكنه لا يبدو مستقراً على المدى الطويل. فبمجرد عودة الحركة إلى طبيعتها، ستحتاج السوق إلى كميات ضخمة من الخام لتلبية الطلب الآسيوي المتجدد ولإعادة ملء المخزونات العالمية التي نُهكت خلال فترة الاضطراب.
الميزان العالمي قد يبقى هشاً
حتى إذا استقرت التدفقات اللوجستية، فإن التوازن بين العرض والطلب عالمياً ليس مضموناً. فالتقديرات الحالية تشير إلى أن المعروض النفطي العالمي قد ينخفض بنحو 3.9 مليون برميل يومياً في 2026، قبل أن يرتد بقوة بنحو 8 ملايين برميل يومياً في 2027 ليصل إلى نحو 110.3 مليون برميل يومياً.
في المقابل، من المتوقع أن يتعافى الطلب بوتيرة أبطأ بكثير، ما قد يخلق فائضاً محتملاً يناهز 5 ملايين برميل يومياً في العام المقبل. ورغم أن القيود المادية في سلاسل الإمداد قد تمنع تحقق هذا السيناريو بالكامل، فإن مجرد اقترابه يكفي للإشارة إلى أن السوق قد تواجه مرحلة شديدة التقلب.
هذه الفجوة المحتملة بين العرض والطلب تضعف قدرة الأسعار على الاستقرار السريع. فبعد صدمة نقص تاريخية، قد يدخل القطاع في دورة معاكسة من الضغط الناجم عن وفرة الإمدادات، وهو ما يجعل التخطيط التجاري وإدارة المخزون أكثر صعوبة بالنسبة لشركات التكرير والتجارة والشحن.
مخاطر جيوسياسية لا تزال حاضرة
رغم عودة جزء من الحركة التجارية عبر المضيق، فإن المخاوف بشأن مستقبل الممر البحري لم تختف. فالاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران ينص على أن المرور عبر المضيق يجب أن يبقى من دون عوائق ولمدة 60 يوماً، فيما تواصل طهران التفاوض مع سلطنة عُمان على إطار أطول أجلاً لتنظيم الملاحة. لكن هذه الترتيبات لا تزال مؤقتة وتترك مساحة واسعة لعدم اليقين.
وتجددت المخاوف بعد تعرض سفينة شحن تايوانية لإطلاق نار أثناء عبورها المضيق، ما أدى إلى ردود متبادلة مع الولايات المتحدة. ورغم أن الحركة البحرية عادت سريعاً بعد الحادثة، فإن الرسالة الأهم كانت واضحة: طهران تسعى إلى تأكيد نفوذها في المنطقة عبر البنية التنظيمية الجديدة الخاصة بمضيق الخليج الفارسي.
هذا المناخ يدفع كثيراً من مالكي السفن والمستأجرين إلى الحذر في إعادة تشغيل رحلاتهم إلى الخليج، حتى لو استقرت الأسعار مؤقتاً. وتُظهر بيانات السوق أن عدد السفن الخارجة من المنطقة يفوق السفن الداخلة بفارق كبير، في إشارة إلى أن جانباً من الحذر العملي ما يزال قائماً رغم تحسن المؤشرات الظاهرة.
مرحلة إعادة توازن صعبة
السوق تبدو اليوم وكأنها تتجاهل جزئياً المخاطر السياسية والتعقيدات اللوجستية والتحولات الهيكلية التي يفرضها الوضع الجديد. لكن العودة إلى التوازن بعد أشهر من الاضطراب لن تكون سلسة على الأرجح، لأن وفرة الإمدادات الحالية لا تعني بالضرورة استقراراً مستقبلياً.
بل إن الصورة الأقرب هي سوق تتنقل من أزمة إلى أخرى: من انقطاع الإمدادات إلى اختناق الشحن، ومنه إلى احتمال فائض في الخام، وسط بقاء المضيق نفسه نقطة هشاشة استراتيجية. لذلك فإن التفاؤل الحالي في الأسواق قد يكون مبالغاً فيه، لأن طريق إعادة التوازن ما يزال طويلاً وغير منتظم.