13-Jul-2026 5 دقائق قراءة

واشنطن تضغط على "إيه إس إم إل" وسط مخاوف من تسرب معدات رقائق متقدمة إلى الصين

تزايدت مخاوف واشنطن من احتمال وصول معدات تصنيع رقائق متقدمة إلى الصين عبر سلاسل التوريد الأوروبية، فيما تؤكد "إيه إس إم إل" أنها لم تشحن إلى بكين أي آلة طباعة أو مكونات مصممة خصيصاً لها. وفي موازاة ذلك، تشدد الصين رقابتها على صادرات الإنديوم، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى سوق المواد والرقائق العالمية.

واشنطن ترفع مستوى القلق من انتقال تقنيات تصنيع الرقائق

أثارت تقارير حديثة في الأوساط التقنية والتجارية مخاوف جديدة لدى الإدارة الأميركية بشأن إمكانية وصول معدات متقدمة لصناعة الرقائق إلى الصين، في وقت تتسع فيه رقعة التنافس على تقنيات أشباه الموصلات بين واشنطن وبكين. وتركزت المخاوف على معدات الطباعة بالأشعة فوق البنفسجية الشديدة، المعروفة اختصاراً بـEUV، التي تُعد من أكثر الأدوات حساسية في تصنيع الرقائق الأكثر تطوراً.

وبحسب المعطيات المتداولة، نقل وزير التجارة الأميركي مخاوفه إلى مسؤولي شركة "إيه إس إم إل" الهولندية، التي تُعد اللاعب الأبرز عالمياً في هذه الفئة من المعدات. وتأتي هذه الاتصالات ضمن سياق أوسع من تشديد الرقابة الأميركية على التكنولوجيا التي قد تعزز قدرات الصين في إنتاج أشباه الموصلات المتقدمة، وهي مكونات أصبحت تمثل ركيزة أساسية في الذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء ومراكز البيانات.

وتُظهر القضية كيف لم تعد المنافسة محصورة في تصنيع الشرائح نفسها، بل امتدت إلى أدوات الإنتاج، والمواد الخام، وسلاسل الإمداد، والمكونات الوسيطة التي قد تبدو بعيدة عن الواجهة لكنها تؤدي دوراً محورياً في تحديد من يستطيع التقدم تقنياً ومن يبقى خلف الركب.

إيه إس إم إل تنفي شحن أي معدات أو مكونات مخصصة إلى الصين

في رد مباشر على المخاوف، أكدت الشركة الهولندية أنها لم ترسل إلى الصين أي آلة طباعة رقائق، كما نفت أيضاً شحن أي وحدة أو جزء أو مكوّن صُمم خصيصاً لاستخدامه في هذه المنظومات. ويعكس هذا النفي رغبة الشركة في طمأنة المستثمرين والعملاء، وفي الوقت نفسه إبقاء موقفها متناغماً مع القيود الدولية المفروضة على تصدير التكنولوجيا الحساسة.

وتعتمد "إيه إس إم إل" على نظام امتثال معقد يتأثر مباشرة بأي تعديل في قواعد التصدير الأميركية أو الأوروبية. ومع اتساع النقاش حول حدود التكنولوجيا المسموح بتصديرها، تجد الشركة نفسها في موقع حساس بين أكبر سوقين متنافسين في العالم. فالصين تمثل سوقاً ضخمة للمعدات الصناعية، بينما تبقى الولايات المتحدة الشريك الأكثر تأثيراً في صياغة قواعد التجارة التكنولوجية العالمية.

وتشير الشركة إلى أنها تكيف عملياتها باستمرار مع أي تحديث في لوائح التصدير. وهذه العبارة، رغم أنها تبدو إدارية، تعكس واقعاً اقتصادياً شديد التعقيد، حيث بات الامتثال التنظيمي جزءاً من استراتيجية الأعمال نفسها، وليس مجرد وظيفة قانونية جانبية.

EUV: معدات عملاقة في قلب سباق الرقائق

تحتل آلات EUV موقعاً نادراً في صناعة أشباه الموصلات، إذ تُستخدم في تصنيع الرقائق الأكثر تقدماً التي تدخل في الهواتف الذكية الراقية، والمعالجات المتخصصة، ومسرعات الذكاء الاصطناعي. وهذه الأنظمة ليست مجرد معدات صناعية عادية، بل منصات هندسية ضخمة يقترب حجمها من حجم حافلة مدرسية، ويصل وزنها إلى نحو 180 طناً.

ويمثل هذا التعقيد سبباً إضافياً لحساسية الملف، لأن إنتاج مثل هذه الآلات لا يعتمد على شركة واحدة فقط، بل على شبكة من الموردين والتقنيات والمواد والبرمجيات والخبرات الهندسية عالية التخصص. ولهذا السبب، فإن أي خلل أو تسرب في أحد حلقات السلسلة قد يثير ردود فعل سياسية وتجارية واسعة، حتى لو لم يثبت شحن المعدات فعلياً.

وفي أبريل الماضي، طرحت واشنطن مقترحات تشريعية تهدف إلى إلزام الحلفاء بالالتزام بضوابط التصدير الأميركية، في إشارة واضحة إلى أن المعركة لم تعد ثنائية بين الولايات المتحدة والصين فحسب، بل أصبحت متعددة الأطراف وتمس دولاً أوروبية وآسيوية أيضاً. ووردت معدات "إيه إس إم إل" ضمن النقاشات المرتبطة بهذه الجهود التشريعية، ما يوضح مدى الأهمية التي تمنحها واشنطن لهذه الشركات في منظومة الردع التكنولوجي.

الصين ترد بتشديد الرقابة على الإنديوم ومشتقاته

في المقابل، تتحرك الصين لتعزيز قبضتها على صادرات بعض المواد الخام الاستراتيجية، وفي مقدمتها الإنديوم. وتراقب الأسواق هذا التحول بحذر، لأن الإنديوم ليس مجرد معدن صناعي تقليدي، بل مادة تدخل في سلسلة طويلة من الاستخدامات تمتد من الشاشات واللحام إلى المكونات المتقدمة اللازمة للرقائق الضوئية عالية السرعة المستخدمة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

وتنتج الصين نحو 70 في المائة من الإنديوم العالمي، ما يمنحها نفوذاً كبيراً في هذا القطاع الصغير نسبياً لكنه بالغ الحساسية. وقد أدرجت بكين فوسفيد الإنديوم على قائمة مراقبة الصادرات في فبراير 2025، وهو ما أدى إلى رفع مستوى القلق لدى المشترين العالميين، خاصة مع ازدياد الطلب على البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.

ورغم أن الإنديوم نفسه لم يُدرج بعد على قائمة القيود، فإن السوق بدأ يلاحظ تشديداً إجرائياً في الجمارك الصينية. وتشمل هذه الإجراءات طلب معلومات إضافية عن المستخدم النهائي في بعض الحالات، ما يطيل زمن الموافقات ويزيد الضبابية أمام الشركات التي تعتمد على هذه المواد في عملياتها الإنتاجية.

سلاسل التوريد العالمية تدخل مرحلة أكثر توتراً

تكشف التطورات الأخيرة أن معركة أشباه الموصلات لم تعد تدور فقط حول الرقائق النهائية أو مصانع التصنيع، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالمواد الأولية، والتراخيص، والتحقق من المستخدم النهائي، ومسارات الشحن، والرقابة الجمركية. وفي هذا السياق، تتأثر الشركات الكبرى والصغرى على حد سواء بالتقلبات التنظيمية، حتى إن لم تكن طرفاً مباشراً في النزاع السياسي.

كما أن تشديد الرقابة يفرض كلفة تشغيلية إضافية على الشركات والمشترين، سواء من حيث توثيق الشحنات أو تأخير الموافقات أو إدارة المخاطر القانونية. وهذه الكلفة قد لا تظهر فوراً في أسعار المنتجات النهائية، لكنها تتراكم تدريجياً وتؤثر في قدرة الشركات على التخطيط والاستثمار وتوسيع قدراتها الإنتاجية.

ومن المتوقع أن تبقى هذه الملفات جزءاً من أجندة العلاقات الاقتصادية بين القوى الكبرى، لأن السباق على الذكاء الاصطناعي لن يتحدد بالبرمجيات فقط، بل أيضاً بمن يمتلك المعدات والمواد والقدرة على تأمين سلاسل إمداد مستقرة. وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن صناعة الرقائق أصبحت ساحة رئيسية تتقاطع فيها التجارة مع الأمن القومي والسياسة الصناعية والتكنولوجيا المتقدمة.