الذهب تحت ضغط قوي في الأسواق العالمية
واصل الذهب خسائره في التداولات العالمية، إذ تراجع بأكثر من 1 في المائة مع اقتراب نهاية الشهر، متجهاً نحو تسجيل أكبر هبوط شهري له منذ أكتوبر 2008. ويعكس هذا الأداء تغيراً واضحاً في مزاج المستثمرين، بعد انحسار جزء من المخاوف المرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط، مقابل صعود التوقعات بأن يواصل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تشديد سياسته النقدية لمواجهة التضخم.
وبلغ سعر الذهب في المعاملات الفورية 3956.92 دولار للأوقية، منخفضاً بنحو 1.5 في المائة، في حين هبطت العقود الآجلة الأميركية تسليم أغسطس إلى 3969.30 دولار للأوقية، مع تراجع نسبته 1.7 في المائة. وإذا استمرت التحركات الحالية حتى نهاية الشهر، فإن المعدن الأصفر سيكون على مسار تسجيل رابع خسارة شهرية متتالية، إلى جانب أول خسارة فصلية منذ عام 2024.
هذا التراجع لا يرتبط بعامل واحد فقط، بل بتداخل عدة متغيرات مالية وجيوسياسية، في مقدمتها ارتفاع توقعات الفائدة، وقوة الدولار، وتبدد بعض الطلب الوقائي الذي كان يغذي أسعار الذهب خلال فترات التوتر.
الفائدة المرتفعة تقلص جاذبية المعدن النفيس
في العادة، يُنظر إلى الذهب باعتباره أداة تحوط ضد التضخم واضطراب الأسواق، لكنه يصبح أقل جاذبية عندما ترتفع أسعار الفائدة، لأن المستثمر يفقد ميزة الاحتفاظ بأصل لا يدر عائداً. ومع صعود الرهانات على زيادات جديدة في الفائدة الأميركية، تراجعت شهية المستثمرين تجاه الذهب بوصفه ملاذاً آمناً.
وتُظهر تسعيرات الأسواق أن المتعاملين يتوقعون حالياً ثلاث زيادات في أسعار الفائدة الأميركية خلال العام الجاري، مع تقدير احتمال يقارب 64 في المائة لرفع جديد في اجتماع سبتمبر، وفق أداة متابعة توقعات الفيدرالي في سوق العقود الآجلة. هذه التوقعات تضغط مباشرة على الأسعار، لأنها تعني عوائد أعلى على الأصول الدولارية مقارنة بالذهب.
وقال محللون في السوق إن التضخم المرتفع، وتوقعات الفائدة الصعودية، وقوة الدولار، باتت مجتمعة تمثل العامل الحاسم في حركة الذهب، متقدمة على العوامل الداعمة التقليدية مثل التوترات السياسية أو الطلب الاستثماري الدفاعي.
قوة الدولار تزيد الضغوط على المشترين
إلى جانب الفائدة، يمثل الدولار الأميركي عاملاً محورياً في تحديد اتجاه الذهب. فكلما ارتفعت قيمة العملة الأميركية، زادت تكلفة شراء الذهب بالنسبة للمستثمرين الذين يتعاملون بعملات أخرى، ما يحد من الطلب العالمي عليه.
وفي الوقت الحالي، يتجه الدولار لتحقيق ثاني مكسب شهري متتالي، وهو ما يضيف مزيداً من الضغط على الذهب. ويعني ذلك أن المعدن النفيس يواجه بيئة مالية أقل دعماً، حتى في حال استمرار بعض المخاوف الجيوسياسية، لأن أثر الدولار القوي والفائدة الأعلى يكون في العادة أسرع وأوضح على حركة الأسعار.
وتزداد أهمية هذا العامل في ظل تراجع الرهانات على هروب المستثمرين إلى الأصول الآمنة، بعد أن خفت حدة المخاوف في بعض مناطق التوتر، ما جعل المستثمرين يعيدون تقييم مراكزهم في سوق المعادن النفيسة.
الأسواق تترقب بيانات الوظائف الأميركية
يركز المستثمرون هذا الأسبوع على سلسلة بيانات عمل أميركية قد تحدد الإيقاع التالي لتحركات الفيدرالي، وفي مقدمتها تقرير التوظيف في القطاع الخاص الصادر عن مؤسسة «إيه دي بي»، إلى جانب بيانات الوظائف غير الزراعية. وتكتسب هذه البيانات أهمية كبيرة لأنها تقدم صورة أوضح عن قوة سوق العمل، وهي عنصر رئيسي في قرارات السياسة النقدية الأميركية.
فإذا جاءت الأرقام قوية، فقد تعزز قناعة الأسواق بأن التضخم لا يزال بحاجة إلى مزيد من الكبح، ما يدعم سيناريو رفع الفائدة. أما إذا أظهرت البيانات تباطؤاً في التوظيف، فقد تمنح الذهب بعض الدعم عبر تقليص احتمالات التشديد السريع.
لكن في التقييم الحالي، تبدو الكفة ما زالت تميل لصالح الفيدرالي الأكثر صرامة، وهو ما يفسر استمرار الضغط على الذهب رغم كونه من أكثر الأصول استفادة تاريخياً من موجات القلق في الأسواق.
أداء الذهب ينعكس على المعادن النفيسة الأخرى
لم يكن الذهب وحده المتضرر من التحول في مزاج السوق، إذ امتدت الخسائر إلى بقية المعادن النفيسة. فقد تراجعت الفضة في التداولات الفورية 2 في المائة إلى 57.13 دولار للأوقية، بينما انخفض البلاتين 1.1 في المائة إلى 1557.21 دولار، وهبط البلاديوم 0.4 في المائة إلى 1208.17 دولار للأوقية.
وتتجه هذه المعادن جميعها إلى تسجيل خسائر شهرية وفصلية، ما يشير إلى أن الضغوط الحالية ليست مرتبطة بالذهب فقط، بل تعكس إعادة تسعير أوسع في سوق المعادن مع تغير توقعات الفائدة والنمو والتضخم. وفي مثل هذا السياق، غالباً ما تتحرك المعادن النفيسة في اتجاهات متقاربة، وإن كانت بدرجات متفاوتة تبعاً لاستخدامات كل معدن وعمقه في الصناعات المختلفة.
تراجع المخاطر الجيوسياسية يحد من الطلب الوقائي
من العوامل الأخرى التي أثرت في الذهب خلال الفترة الأخيرة تراجع بعض المخاوف الجيوسياسية مقارنة بذروة التوتر في وقت سابق من العام. فقد كانت التوترات في الشرق الأوسط قد دفعت المستثمرين إلى زيادة الإقبال على الأصول الدفاعية، لكن انحسار تلك المخاوف خفف من الطلب الوقائي الذي كان يساند أسعار الذهب.
في المقابل، ساهمت التطورات في سوق الطاقة في إعادة تركيز الاهتمام على التضخم بدلاً من المخاطر الأمنية المباشرة، إذ إن ارتفاع أسعار النفط خلال فترات سابقة كان يرفع التوقعات بأن يضطر الفيدرالي إلى إبقاء السياسة النقدية مشددة لفترة أطول. ومع انحسار هذا الأثر نسبياً، بقيت رهانات التضخم والفائدة هي المحرك الأبرز للأسواق.
ويعني ذلك أن الذهب أصبح أسيراً لمعادلة أكثر تعقيداً: فهو يتأثر سلباً عندما تتحسن شهية المخاطرة أو ترتفع العوائد الحقيقية، لكنه يستفيد فقط عندما تتصاعد الشكوك حول النمو أو السياسات النقدية أو الاستقرار المالي.
توقعات النصف الثاني من العام
رغم الهبوط الحالي، لا يرى بعض المحللين أن المسار الهابط للذهب سيكون خطياً خلال الأشهر المقبلة. فالتوقعات ما زالت تشير إلى نطاق تداول واسع قد يمتد بين 3500 و4400 دولار للأوقية خلال النصف الثاني من العام، وهو ما يعكس استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.
هذا النطاق الواسع يعني أن السوق ما زالت قادرة على إنتاج تحركات حادة صعوداً أو هبوطاً بحسب البيانات الاقتصادية والسياسات النقدية والتطورات الجيوسياسية. لكن في المدى القريب، تبقى القراءة الأساسية واضحة: كلما تعززت احتمالات الفائدة المرتفعة لفترة أطول، ظل الذهب تحت الضغط.
وبينما ينتظر المستثمرون بيانات التوظيف الأميركية والتصريحات المقبلة من مسؤولي الفيدرالي، يبدو أن سوق الذهب دخلت مرحلة إعادة تسعير أعمق، عنوانها الأكبر هو تقلب التوقعات بشأن التضخم والعوائد والدولار، لا الاضطراب السياسي وحده.