13-Jul-2026 5 دقائق قراءة

جون بيركنز: تراجع هيمنة الدولار يعيد رسم ملامح النظام المالي العالمي

يرى جون بيركنز أن تراجع الثقة في الدولار والاحتياطي الفيدرالي يعكس تحولا أوسع في النظام الاقتصادي العالمي، مع سعي دول عديدة إلى تقليص الاعتماد على العملة الأمريكية.

تزايد الشكوك حول الدولار

تشير تصريحات جون بيركنز إلى موجة أوسع من التحفظ العالمي تجاه العملة الأمريكية، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الموجهة إلى نظام الاحتياطي الفيدرالي وتزداد الدعوات لإعادة تقييم الاعتماد على الدولار في المعاملات الدولية والاحتياطيات الرسمية.

وبحسب بيركنز، فإن الشكوك لم تعد محصورة في دوائر أكاديمية أو مالية ضيقة، بل أصبحت أكثر انتشارا بين حكومات وشركات ومؤسسات في مناطق مختلفة من العالم. ويرى أن هذا التحول يرتبط بتغيرات سياسية واقتصادية وجيوسياسية تدفع بعض الدول إلى البحث عن مسارات تقلل من تعرضها للنظام المالي الأمريكي.

هذا الاتجاه لا يعني بالضرورة انتقالا سريعا أو شاملا بعيدا عن الدولار، لكنه يعكس ارتفاع مستوى النقاش حول بدائل الدفع والتسوية التجارية، خاصة في بيئة دولية تتسم بتقلبات حادة في أسعار الفائدة، والعقوبات الاقتصادية، والتوترات في سلاسل الإمداد.

الاقتصاد الصيني أمام معادلة معقدة

لفت بيركنز إلى أن الصين تمثل إحدى أكثر الدول ارتباطا بالدولار من حيث الأصول المقومة به، ما يجعل أي تراجع كبير في قيمة العملة الأمريكية مسألة ذات أثر مباشر على اقتصادها. فالدول التي تحتفظ بمخزونات ضخمة من السندات والأصول الدولارية لا تنظر إلى ضعف الدولار باعتباره مكسبا تلقائيا، لأن أثره يمتد إلى قيمة تلك الأصول وإلى توازنات التجارة والديون.

وتكشف هذه الإشارة عن تعقيد المرحلة الحالية: فحتى الدول التي تسعى إلى تقليص اعتمادها على الدولار قد تجد نفسها مقيدة بارتباطات مالية قائمة لا يمكن فكها بسرعة. لذلك، فإن أي انتقال نحو نظام أكثر تعددية في العملات قد يكون تدريجيا ومصحوبا بتكاليف مرتفعة على الاقتصادات الكبرى قبل الصغرى.

كما أن توسع استخدام العملات المحلية في التجارة الثنائية، أو زيادة الاعتماد على ترتيبات تسوية غير دولارية، لا يلغي بالضرورة الحاجة إلى الدولار، لكنه قد يحد من مركزه المطلق في النظام المالي العالمي.

ثلاث ركائز للنفوذ العالمي

يربط بيركنز قوة أي إمبراطورية عالمية بثلاثة عناصر أساسية: عملة مهيمنة، قوة عسكرية، وانتشار لغوي واسع. ووفق هذا التصور، فإن أي اهتزاز في أحد هذه الأعمدة ينعكس على قدرة الدولة على الحفاظ على نفوذها السياسي والاقتصادي.

في حالة الولايات المتحدة، يرى بيركنز أن مكانة الدولار هي الركيزة الأهم، لأن العملة ليست مجرد أداة تبادل، بل قناة تأثير تمتد إلى التمويل الدولي، والاحتياطيات النقدية، وأسواق الطاقة، وعقود التجارة. وإذا تراجعت هذه المكانة، فقد يتآكل جزء من النفوذ الأمريكي العالمي حتى لو بقي الاقتصاد الأمريكي كبيرا ومتقدما تقنيا.

أما على الصعيد العسكري، فيشير بيركنز إلى أن جدوى القوة الأمريكية أصبحت محل تساؤل متزايد بعد سلسلة من الحروب والتدخلات الخارجية التي لم تحقق دائما نتائج مستقرة أو حاسمة. ويعكس هذا الطرح جدلا أوسع داخل مراكز الفكر والاقتصاد السياسي حول العلاقة بين القوة الصلبة والهيمنة المالية.

نظام نقدي عالمي أكثر تعددية

تأتي هذه التصريحات في لحظة تشهد فيها الأسواق والمؤسسات المالية الدولية تحولات متسارعة، مع توسع الحديث عن نظام نقدي عالمي أقل تمحورا حول عملة واحدة. فقد بدأت عدة دول بالفعل في تعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة البينية، كما ازدادت الأدوار النسبية لبعض العملات الأخرى في التسويات والاحتياطيات.

ويستند هذا المسار إلى اعتبارات متعددة، منها خفض كلفة التحوط من تقلبات الدولار، وتقليل التعرض للسياسات النقدية الأمريكية، والحد من أثر العقوبات المالية. وفي المقابل، لا تزال بنية الاقتصاد العالمي، من التمويل إلى الطاقة، تمنح الدولار أفضلية واضحة بفضل عمق أسواقه والسيولة العالية والثقة المتراكمة عبر عقود.

لذلك، فإن الحديث عن تراجع هيمنة الدولار لا يعني نهايته القريبة، بل يشير إلى تحول تدريجي في ميزان الاستخدام العالمي للعملات. هذا التحول قد يعيد تشكيل أدوات التجارة والاستثمار والتمويل خلال السنوات المقبلة، لكنه سيظل رهنا بمدى قدرة البدائل الأخرى على توفير الاستقرار والقبول الواسع نفسه.

خلفية الجدل حول بيركنز

ليس بيركنز اسما عاديا في النقاشات المتعلقة بالنفوذ المالي الأمريكي، إذ ارتبطت كتاباته سابقا بانتقادات حادة للمؤسسات المالية الغربية ولطريقة تأثير السياسات الاقتصادية على الدول النامية. وقد حظيت أفكاره بمتابعة واسعة لدى من يرون أن الاقتصاد العالمي تحكمه مراكز قوة غير متكافئة، بينما واجهت انتقادات من آخرين يعتبرون أن بعض استنتاجاته تتجاوز الأدلة المتاحة.

وبغض النظر عن الجدل المحيط به، فإن تصريحاته الأخيرة تنسجم مع واقع اقتصادي أكثر تعقيدا، حيث تتقاطع اعتبارات السياسة النقدية مع الجغرافيا السياسية ومنافسة العملات وتغير أنماط التجارة العالمية. وفي هذا السياق، يبدو أن النقاش لم يعد يقتصر على قوة الدولار اليوم، بل يمتد إلى شكل النظام المالي الدولي في العقد المقبل.