الاقتصاد العالمي تحت ضغط المخاطر الجيوسياسية
حذّر كبير اقتصاديي صندوق النقد الدولي، بيير أوليفير غورينشاس، من أن الاقتصاد العالمي لا يزال عرضة لمخاطر هبوطية كبيرة إذا لم يصمد وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران، مشيراً إلى أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط قد يعيد الضغط على أسعار الطاقة والتضخم والتوقعات المالية في عدد من الاقتصادات الكبرى.
وفي قراءته للوضع الاقتصادي الدولي، أوضح غورينشاس أن المرحلة الحالية لا تشبه فقط اضطراباً مؤقتاً في التجارة، بل تمثل اختباراً واسعاً لقدرة الحكومات والشركات والمصارف المركزية على التكيف مع بيئة تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع السياسات التجارية والمالية. واعتبر أن العالم يدخل فترة تتطلب قدراً أعلى من المرونة في إدارة المخاطر، سواء في أسواق الطاقة أو في سلاسل التوريد أو في الاستثمار العابر للحدود.
وتأتي هذه التصريحات قبل أيام من مغادرته منصبه الأسبوع المقبل، مع عودته إلى العمل الأكاديمي في جامعة كاليفورنيا في بيركلي.
النفط عنصر حاسم في تقدير المسار الاقتصادي
أحد أكثر الجوانب حساسية في المشهد الحالي يتمثل في ملف النفط. فقد أشار غورينشاس إلى أن السحب السريع من الاحتياطيات الاستراتيجية ساهم في تجنب قفزة حادة في أسعار الخام خلال التصعيد الأخير في الشرق الأوسط. ووفق تقديره، فإن ما جرى سحبه من السوق لم يتجاوز 3 في المائة من الإمدادات العالمية، في حين كانت التوقعات الأولية تفترض تعطل ما بين 10 و15 في المائة من المعروض.
لكن هذا الهامش الوقائي لم يعد متاحاً بالدرجة نفسها، بعد أن استُنزفت أجزاء معتبرة من هذه الاحتياطيات. وهذا يعني أن أي عودة للتصعيد أو انهيار جديد في التهدئة قد يدفع الأسواق إلى استجابة أكثر حدة، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع اضطرابات في حركة النقل عبر الممرات البحرية الحيوية.
كما أشار المسؤول السابق في صندوق النقد إلى أن المؤسسة الدولية قد تعيد النظر في الطريقة التي تقدم بها توقعاتها المقبلة، بعد أن اعتمدت في أبريل ثلاثة سيناريوهات مختلفة. وبحسب ما قاله، فإن غياب وضوح كافٍ بشأن اتجاه أسعار النفط وتداعياته قد يدفع الصندوق إلى العودة إلى تقدير أساسي واحد، بدلاً من السيناريوهات المتعددة التي استخدمها سابقاً للتعامل مع درجة غير مسبوقة من الضبابية.
العولمة لا تتراجع بل تتغير
رغم تصاعد الحديث عن تفكك المنظومة التجارية العالمية، رفض غورينشاس فكرة أن العولمة انتهت. ولفت إلى أن نسبة التجارة العالمية إلى الناتج المحلي الإجمالي ما زالت عند مستويات قوية، ما يعني أن الاقتصاد الدولي لم يدخل مرحلة انغلاق شامل، بل يشهد إعادة توزيع للمخاطر وإعادة توجيه لبعض مسارات التبادل التجاري.
وبحسب هذا التصور، فإن الصورة الحالية أقرب إلى إعادة تشكيل للعلاقات الاقتصادية بين القوى الكبرى، وخاصة بين الولايات المتحدة والصين، منها إلى انهيار كامل للعولمة. فبدلاً من توقف التجارة، بدأت الشركات والدول في تعديل خرائطها الإنتاجية واللوجستية، مع بروز أدوار أكبر لاقتصادات وسيطة مثل المكسيك وفيتنام في إعادة توجيه بعض خطوط الإمداد.
هذا التحول لا يعني اختفاء الترابط العالمي، بل يشير إلى أن سلاسل القيمة أصبحت أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على مسار واحد. ومع ذلك، فإن هذه المرونة تأتي بكلفة إضافية، سواء من حيث الاستثمار في بدائل جديدة أو من حيث ارتفاع النفقات المرتبطة بإدارة المخاطر السياسية والتنظيمية.
الرسوم الجمركية والعقوبات: أثر قصير الأجل
انتقد غورينشاس استخدام الرسوم الجمركية والعقوبات الاقتصادية كأدوات رئيسية لحل النزاعات السياسية. ورأى أن هذه الإجراءات قد تحقق تأثيراً سريعاً في البداية، لكنها تفقد فعاليتها بمرور الوقت لأن الأطراف المستهدفة تجد غالباً وسائل للتكيّف، سواء عبر الالتفاف على القيود أو ابتكار مسارات تجارية جديدة أو تطوير قدرات داخلية بديلة.
ومن وجهة نظره، فإن الكلفة الحقيقية لهذه السياسات تظهر على المدى المتوسط والطويل، عندما تتحول القيود المفروضة إلى حوافز لإعادة التموضع التجاري، وهو ما يقلل في النهاية من قدرة الضغوط الاقتصادية على تحقيق أهدافها الأصلية. كما أبدى تشككه في أن سياسات إعادة التصنيع داخل الولايات المتحدة ستقود تلقائياً إلى خلق وظائف كثيرة، لأن المصانع الحديثة في الاقتصادات المتقدمة تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا والأتمتة، ما يحد من كثافة التوظيف.
ويعكس هذا الطرح نقاشاً أوسع داخل دوائر الاقتصاد العالمي حول حدود الحماية التجارية، وحول ما إذا كانت السياسات القائمة على الردع الاقتصادي قادرة فعلاً على إعادة تشكيل ميزان القوى التجاري، أم أنها تدفع فقط إلى إعادة توزيع الإنتاج بطريقة أكثر كلفة وأقل كفاءة.
الأسواق الناشئة أمام اختبار جديد
تطرق غورينشاس أيضاً إلى مستقبل الاقتصادات النامية، محذراً من أن كثيراً منها قد يواجه صعوبة في تجاوز ما يُعرف بـ"فخ الدخل المتوسط". فالنموذج الذي استفادت منه دول عدة خلال العقود الماضية، والقائم على التصدير والاستفادة من انخفاض الكلفة، لم يعد متاحاً بالسهولة نفسها في ظل التنافس الحاد والقيود التجارية المتزايدة.
وأشار إلى أن الصين، التي كانت مثالاً بارزاً على الصعود الصناعي المدفوع بالتصدير، لم تعد تقدم الوصفة نفسها بالمعنى الذي عرفته الأسواق الناشئة في التسعينات. ومع تبني الاقتصادات المتقدمة نهجاً أكثر تحفظاً، واستمرار المنافسة الصينية في التصنيع منخفض التكلفة، تضيق المساحة أمام الدول التي تراهن على التصدير بوصفه محركاً رئيسياً للنمو.
وفي هذا السياق، برزت الهند بوصفها إحدى الدول التي تواجه معادلة معقدة: فهي تمتلك سوقاً داخلية واسعة وقدرات بشرية كبيرة، لكنها لا تزال تبحث عن صيغة نمو تسمح لها بالانتقال من الاعتماد على الطلب المحلي إلى الاندماج الأقوى في سلاسل القيمة العالمية.
ما الذي يعنيه ذلك لصنّاع القرار؟
الرسالة الأساسية في تقييم غورينشاس تتمثل في أن البيئة الاقتصادية العالمية باتت أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر ارتباطاً بالمخاطر السياسية والأمنية. وهذا يفرض على الحكومات والمستثمرين والبنوك المركزية أن تتعامل مع التضخم والنمو والتجارة بوصفها ملفات مترابطة لا يمكن فصلها عن تطورات الجغرافيا السياسية.
كما أن تجربة الأشهر الأخيرة أظهرت أن أسواق الطاقة قادرة على نقل الصدمة بسرعة إلى قطاعات أخرى، من الإنفاق الاستهلاكي إلى تكاليف النقل مروراً بتوقعات السياسة النقدية. لذلك، فإن أي استقرار في الأسعار أو تحسن في التجارة سيظل مشروطاً بدرجة الهدوء الجيوسياسي، لا بالمتغيرات الاقتصادية وحدها.
وفي المحصلة، يبدو أن العولمة لم تختفِ، لكنها تدخل مرحلة جديدة أقل بساطة وأكثر تجزؤاً. وفي هذه المرحلة، لن يكون النجاح مرتبطاً بمدى الانفتاح فقط، بل بقدرة الدول والشركات على إدارة الاعتماد المتبادل في عالم يتزايد فيه التنافس وتتعاظم فيه المخاطر غير الاقتصادية.