تواجه أسواق تمويل الأسهم الأميركية مؤشرات جديدة على التوتر، بعدما أدى الارتفاع الحاد في تكاليف الاقتراض قصير الأجل إلى زيادة الضغوط على المتعاملين الذين يعتمدون على الرافعة المالية لرفع عوائدهم في سوق الأسهم. ويأتي ذلك في وقت تقترب فيه الأسهم الأميركية من مستويات قياسية، بينما تظل الرهانات على شركات التكنولوجيا والرقائق من بين أكثر الصفقات ازدحاماً.
المشكلة تتركز في سوق إعادة الشراء المعروف بـالريبو، وهو المسار الذي يلجأ إليه المستثمرون والمتداولون للاقتراض السريع مقابل رهن حيازاتهم من الأسهم كضمان. وعندما ترتفع كلفة هذا التمويل، تصبح صفقات الشراء الممولة بالديون أكثر كلفة، ما قد يضغط على شهية المخاطرة ويزيد حساسية السوق لأي تحول مفاجئ في المعنويات.
خلال نهاية الربع الثاني، قفزت تكاليف التمويل في هذا السوق إلى نحو 200 نقطة أساس فوق سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية في 26 يونيو، وفق بيانات مورغان ستانلي، وهو أعلى مستوى منذ ديسمبر 2024. ورغم أن هذه التكاليف تراجعت لاحقاً إلى ما دون ذلك بكثير، فإن المشاركين في السوق يرون أن العوامل التي دفعتها للصعود لم تختفِ.
الطلب على الرافعة المالية يبقى قوياً
أحد الأسباب الرئيسية وراء استمرار الضغط هو اتساع استخدام الصناديق المتداولة المرفوعة مالياً، وهي أدوات تسمح للمستثمرين بمضاعفة التعرض لاتجاهات السوق، خصوصاً في القطاعات الساخنة مثل أشباه الموصلات. هذه الصناديق تحتاج بدورها إلى تمويل إضافي وتتحول إلى عبء أكبر على ميزانيات البنوك والوسطاء عندما يرتفع الإقبال عليها بسرعة.
ويشير محللون إلى أن هذا النمط يعكس سوقاً أصبح فيها المشترون الهامشيون أكثر اعتماداً على الاقتراض. وبمعنى آخر، فإن جزءاً متزايداً من الطلب على الأسهم لا يأتي من رأس مال نقدي مباشر، بل من مراكز استثمارية ممولة بالديون، وهو ما يرفع قابلية السوق للاهتزاز إذا تبدلت الظروف أو ارتفعت تكلفة التمويل مجدداً.
كما أن تركّز الأداء السوقي في عدد محدود من الأسهم، خصوصاً شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات، يزيد هشاشة المشهد. فعندما يقود عدد صغير من الأسهم المؤشرات الأوسع، يصبح أي تراجع في هذه الأسماء الثقيلة أكثر تأثيراً على السوق ككل، خاصة إذا تزامن مع ضيق في السيولة أو ارتفاع في تكاليف الاقتراض.
الميزانيات العمومية للبنوك ليست بلا حدود
يرى بعض الاستراتيجيين أن ما حدث في الأسابيع الأخيرة هو نتيجة مباشرة لاختلال بين العرض والطلب: الطلب على تمويل الأسهم ارتفع بسرعة، بينما لم تنمُ قدرة الوسطاء وصناع السوق على تخصيص ميزانيات إضافية بالوتيرة نفسها. ومع اقتراب فترات نهاية الربع، تميل البنوك إلى تقليص الإقراض لإدارة ميزانياتها لأغراض التقارير التنظيمية، وهو ما قد يدفع أسعار الريبو إلى الصعود من جديد.
ويقدّر محللون أن سوق تمويل الأسهم يقترب حجمه من 10 تريليونات دولار، ما يعني أن أي زيادة نسبتها 10% في التعرض المرفوع مالياً قد تخلق طلباً إضافياً يقارب تريليون دولار على التمويل. وعندما تتزامن هذه الحاجة مع مكاسب قوية في الأسهم العالمية، وخصوصاً في الأسواق الآسيوية، فإن القدرة المتاحة لدى الوسطاء يمكن أن تُستهلك بسرعة.
وتُظهر بيانات الاحتياطي الفيدرالي أن تعاملات الوسطاء الأساسيين المرتبطة بتمويل الأسهم بلغت نحو 211 مليار دولار على ميزانياتهم حتى 24 يونيو. كما ارتفع مقياس مورغان ستانلي الذي يقارن هذا التعرض بالقيمة السوقية المعدلة للأسهم الحرة التداول بنحو 50% خلال العام الماضي، وهو ما يشير إلى أن كل دولار من رأس المال الاستثماري المتاح بات مدعوماً بكمية أكبر من الرافعة المالية.
مخاطر التصحيح تزداد إذا تغيّر المزاج
الاعتماد المتزايد على التمويل قصير الأجل لا يعني بالضرورة أن السوق على وشك الانعكاس، لكنه يرفع تكلفة أي هزة مفاجئة في المعنويات. فحين تكون مراكز كثيرة مبنية على الافتراض نفسه وهو استمرار ارتفاع الأسعار، قد يؤدي أي تراجع سريع إلى موجة إغلاق مراكز واسعة وتفريغ متسارع للسيولة.
في هذا السياق، يعتبر بعض المتعاملين أن السوق أصبح مشابهاً لصفقة مزدحمة للغاية، حيث يزداد التفاؤل مع الوقت وتُبنى حوله طبقات إضافية من الاقتراض والتحوط. وعند أول إشارة ضعف، يمكن أن يكون أثر التراجع أعمق من المتوقع، لأن الكثير من المشترين يكونون قد دخلوا بالفعل باستخدام أدوات تمويلية مرفوعة.
ويحذر محللون من أن اتساع استخدام الرافعة المالية في قطاعات بعينها، مثل التكنولوجيا والرقائق، قد يجعل أي تصحيح مستقبلي أكثر حدة. فالسوق الذي يرتفع مدعوماً بالتمويل الرخيص يستطيع الصعود بسرعة، لكنه قد يتراجع أيضاً بسرعة أكبر إذا عادت تكلفة الاقتراض للارتفاع أو تقلصت قدرة الوسطاء على توفير التمويل.
ما الذي قد يعيد التوتر إلى السوق
يرى خبراء أن عودة الضغط على التمويل في نهاية أي ربع مالي تبقى احتمالاً قائماً، خاصة إذا استمرت مستويات الأسهم قرب قممها وواصل المستثمرون مراكمة المراكز الممولة بالديون. وفي حال لم تتوسع ميزانيات الوسطاء بشكل واضح، أو لم تشهد الأسهم تباطؤاً يخفف الحاجة إلى التمويل، فمن المرجح أن تتكرر الضغوط نفسها.
إلى جانب ذلك، فإن استمرار الحماس تجاه الذكاء الاصطناعي وأسهم التكنولوجيا يدعم استمرار الطلب على الرهانات المرفوعة، حتى مع وجود مخاوف جيوسياسية أو تقلبات قصيرة الأجل في الأسواق. وهذا التوازن الهش بين الزخم السعري والتكلفة التمويلية يضع وول ستريت أمام معادلة دقيقة: كلما طال صعود السوق، زادت احتمالات أن يصبح التمويل نفسه نقطة ضعف.
وبينما لا تزال المؤشرات الواسعة قريبة من مستوياتها المرتفعة، فإن الارتفاع الأخير في تكلفة الريبو يسلط الضوء على حقيقة أساسية في الأسواق الحديثة: السيولة والرافعة المالية ليستا مجرد أدوات مساعدة، بل عنصران حاسمان في تحديد مدى استدامة الصعود نفسه.