14-Jul-2026 6 دقائق قراءة

السعودية وإسبانيا ترسخان شراكة استراتيجية تمتد إلى الاقتصاد والنقل والطيران والفضاء

تتجه العلاقات السعودية الإسبانية إلى مرحلة جديدة من التعاون المؤسسي بعد اتفاق الشراكة الاستراتيجية، مع توسع المشاريع في الاقتصاد والنقل والطيران والدفاع والفضاء، وارتفاع حجم التبادل التجاري والخدمات المرتبطة برؤية 2030.

مرحلة جديدة في العلاقات الاقتصادية

انتقلت العلاقات السعودية الإسبانية إلى مستوى أكثر عمقاً بعد توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية في مدريد خلال مايو الماضي، وهي خطوة لم تعد تقتصر على تعزيز العلاقات الدبلوماسية التقليدية، بل أسست لإطار مؤسسي دائم يوسّع التعاون الاقتصادي والاستثماري والتقني بين البلدين.

وتقوم هذه المرحلة الجديدة على آلية متابعة رفيعة المستوى، بما يمنح المشروعات المشتركة زخماً أكبر ويتيح تنسيقاً أسرع بين الجهات الحكومية في البلدين. كما ينسجم هذا التوجه مع أهداف رؤية 2030 التي تسعى إلى تنويع الاقتصاد السعودي، وجذب الخبرات الدولية، وتوطين المعرفة في القطاعات الواعدة.

وبحسب ما جرى الإعلان عنه، فإن الجانبين أنجزا بالفعل صياغة مذكرتي تفاهم جديدتين في مجالي الاقتصاد والنقل، فيما لا تزال أطر تعاون أخرى قيد التفاوض، ما يعكس اتساع جدول الأعمال بين الرياض ومدريد خلال المرحلة المقبلة.

آلية مؤسسية جديدة لإدارة التعاون

تُعد الاتفاقية الموقعة في مدريد نقطة تحول من حيث طريقة إدارة العلاقات الثنائية. فبدلاً من الاكتفاء باللجان الفنية أو التنسيق القطاعي المحدود، أصبح التعاون محكوماً بإطار استراتيجي أعلى يربط بين المستويين السياسي والاقتصادي.

هذا التغيير يعني عملياً أن القرارات المتعلقة بالمشاريع الكبرى ستخضع لمتابعة أوضح وأكثر مباشرة، بما يسمح بتسريع التنفيذ وتذليل العقبات التنظيمية. كما أنه يعكس رغبة واضحة في تحويل العلاقات الثنائية إلى شراكة طويلة الأمد، تقوم على المصالح الاقتصادية وتبادل الخبرات، لا على المبادرات المتفرقة فقط.

وتبرز أهمية هذا التطور في ظل توسع الحضور الإسباني في السوق السعودية، وفي مقابل تنامي اهتمام الشركات السعودية بالسوق الإسبانية، سواء في مجالات البنية التحتية أو الصناعة أو الطاقة أو الخدمات التقنية.

تجارة متوازنة وخدمات تقود النمو

يبلغ حجم التبادل التجاري بين السعودية وإسبانيا نحو 6 مليارات دولار سنوياً. وتصدّر إسبانيا إلى المملكة ما بين 2.4 و2.6 مليار دولار سنوياً، ما يجعلها خامس أكبر مصدر أوروبي إلى السوق السعودية.

وتشمل الصادرات الإسبانية الآلات الصناعية، والمعدات الميكانيكية، والمنتجات السيراميكية، والمستحضرات الدوائية، إضافة إلى منتجات زراعية وغذائية. وفي المقابل تستورد إسبانيا من السعودية ما يقارب 3.5 مليار دولار سنوياً، تأتي في معظمها من النفط الخام ومشتقاته والبتروكيميائيات.

وخلال الربع الأول من العام الجاري، ارتفعت الواردات الإسبانية من السعودية بنسبة 18 في المائة، مدفوعة بارتفاع أسعار النفط، بينما تراجعت الصادرات الإسبانية في الفترة نفسها. ويشير ذلك إلى أن مسار التجارة خلال 2026 سيظل مرتبطاً بحركة أسواق الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد في المنطقة.

غير أن الشراكة لا تقتصر على تجارة السلع. فالشركات الإسبانية حققت حضوراً قوياً في قطاع الخدمات، من خلال عقود كبيرة في الهندسة والبنية التحتية والنقل والطاقة، وهو ما جعل الخبرة الإسبانية جزءاً مهماً من مشروعات التطوير الجارية في المملكة.

المياه والطاقة والمدن الذكية في صدارة التعاون

أحد أبرز مجالات التعاون بين البلدين يتمثل في تحلية المياه وإدارة الموارد المائية. وتمتلك الشركات الإسبانية خبرة معروفة في تصميم وتشغيل محطات التحلية بالتناضح العكسي، ومعالجة مياه الصرف، وإدارة الشبكات، وهي تقنيات تم استخدامها في مشاريع داخل المملكة.

ويمتد التعاون أيضاً إلى التطوير العمراني، وإعداد المخططات الرئيسية للمدن الذكية، وإدارة مشاريع البنية التحتية، إلى جانب تحديث شبكات الكهرباء والمحطات الفرعية والمجمعات الصناعية. وتكتسب هذه المجالات أهمية خاصة في ظل التوسع السعودي في مشاريع الطاقة المتجددة، والحاجة إلى رفع كفاءة البنية التحتية الداعمة لها.

كما تسهم الخبرة الإسبانية في دعم أمن الطاقة وتحديث منظومة الخدمات الحضرية، وهو ما ينسجم مع التوجه السعودي نحو بناء مدن أكثر ترابطاً واعتماداً على الحلول الرقمية والأنظمة الذكية في الإدارة والتشغيل.

النقل الذكي والطيران المدني يفتحان مساراً جديداً

في قطاع النقل، تملك الشركات الإسبانية خبرة واسعة في السكك الحديدية عالية السرعة والنقل الحضري وإدارة الشبكات المعقدة. وقد ظهرت هذه الخبرة بوضوح في مشاريع داخل السعودية، من بينها قطار الحرمين السريع، والبنية التحتية لمترو الرياض، إضافة إلى أعمال في مشروع القدية تتعلق بالنقل الذكي وإدارة الحركة.

وتزداد أهمية هذا المسار مع موافقة مجلس الوزراء السعودي على مذكرة تفاهم للتعاون في مستقبل أساليب النقل الحديثة بين وزارة النقل والخدمات اللوجستية السعودية ووزارة النقل والتنقل المستدام الإسبانية. وتأتي هذه الخطوة في وقت تعمل فيه المملكة على تعزيز مكانتها كمركز لوجستي عالمي.

وفي الطيران المدني، وقعت الرياض ومدريد مذكرتي تفاهم في فبراير الماضي بحضور وزيري النقل في البلدين، وتغطيان سبعة مجالات رئيسية تشمل السلامة، وتوسيع المسارات الجوية، والمواءمة التنظيمية، والطيران المستدام، والبحث والتطوير في الطائرات ذاتية القيادة، وتصميم المطارات الذكية.

كما تتضمن الشراكة تحديث أنظمة الملاحة الجوية والبنية التحتية للمطارات، مع الإشارة إلى اختيار شركة هندسية إسبانية لتطوير المخططات الرئيسية لخمسة مطارات سعودية، ومشاركة شركة أخرى في تشغيل أول برج مراقبة جوية افتراضي في المنطقة.

الدفاع من التوريد إلى نقل التقنية

تتجه الشراكة الدفاعية بين السعودية وإسبانيا إلى نموذج أكثر تقدماً، يتجاوز شراء المعدات إلى نقل المعرفة وتوطين التقنية. ويبرز في هذا السياق مشروع التعاون بين سامي ونافانتيا لتجهيز خمس سفن حربية من طراز أفانتي 2200، وهو مشروع أسهم في نقل خبرات تقنية إلى الداخل السعودي.

وقد أدى هذا التعاون إلى تطوير نظام حازم لإدارة المعارك البحرية داخل المملكة، إلى جانب نقل حقوق الملكية الفكرية إلى الهيئة العامة للصناعات العسكرية، بما يفتح المجال أمام إمكان تصنيع السفن الحربية محلياً مستقبلاً.

وتشارك شركات إسبانية أخرى مثل إندرا وأوسيا في تقديم تقنيات للرادارات والحرب الإلكترونية ومكافحة الطائرات المسيّرة. وتشير المعطيات إلى أن إسبانيا تستحوذ على نحو 10 في المائة من واردات السعودية من الأسلحة، لتأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة.

الأهم من ذلك أن هذا التعاون يتقاطع مع هدف سعودي رئيسي يتمثل في توطين أكثر من 50 في المائة من الإنفاق العسكري بحلول 2030، عبر التصنيع المحلي، والبحث والتطوير، وتأهيل الكفاءات الوطنية.

الفضاء كقطاع واعد للشراكة المستقبلية

يتسع نطاق التعاون أيضاً ليشمل اقتصاد الفضاء، وهو أحد القطاعات التي تشهد نمواً سريعاً في السعودية. وتشير التقديرات إلى أن حجم هذا الاقتصاد بلغ 8.7 مليار دولار في 2024، مع توقعات بارتفاعه إلى 31.6 مليار دولار بحلول 2035.

وتملك إسبانيا قاعدة صناعية متقدمة في هذا المجال عبر شركات تعمل في الاتصالات الفضائية الآمنة، ومراقبة الأرض، والتحليلات الجغرافية المكانية، مثل إيرباص للدفاع والفضاء-إسبانيا، وإندرا، و«جي إم في»، و«هيسديسات»، و«سينر».

هذا التلاقي بين طموحات السوق السعودية وقدرات الصناعة الإسبانية قد يفتح مساراً جديداً للتعاون في التطبيقات الفضائية والخدمات المرتبطة بها، خصوصاً مع توسع الحاجة إلى البيانات الفضائية والخدمات الرقمية المتقدمة في مجالات الملاحة والاتصالات والأمن ومراقبة الموارد.

شراكة تتجه إلى الإنتاج المشترك

المحصلة الأساسية لهذه التطورات أن العلاقات السعودية الإسبانية لم تعد قائمة فقط على تبادل التجارة أو تنفيذ مشاريع محددة، بل باتت تتجه إلى شراكة استراتيجية طويلة الأجل ترتكز على الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات.

ومع تعدد المسارات بين الاقتصاد والنقل والطيران والدفاع والفضاء، يبدو أن البلدين يدفعان بالعلاقة الثنائية نحو نموذج تعاون أكثر تنوعاً واستدامة، بما يخدم متطلبات التحول الاقتصادي في السعودية، ويعزز أيضاً فرص الشركات الإسبانية في أحد أكبر أسواق المنطقة.