14-Jul-2026 4 دقائق قراءة

رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرنسيسكو: السياسة النقدية الأميركية ما تزال مقيدة وسط ضبابية التضخم والاستثمار

أكدت ماري دالي أن السياسة النقدية الأميركية لا تزال مقيدة بشكل طفيف، مشيرة إلى أن مسار التضخم والاستثمار وسوق العمل لا يمنح حتى الآن إشارة واضحة بشأن الخطوة المقبلة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.

النهج النقدي ما يزال مقيّداً

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرنسيسكو، ماري دالي، إن السياسة النقدية في الولايات المتحدة لا تزال عند مستوى تقييدي، حتى وإن كان هذا التقييد محدوداً. وجاءت تصريحاتها في وقت يواصل فيه المستثمرون والمتابعون لأسواق المال البحث عن إشارات أوضح بشأن توقيت الخطوة المقبلة للبنك المركزي الأميركي.

وأوضحت دالي أن المشهد الاقتصادي الحالي لا يقدم إجابة حاسمة، لأن البنك المركزي يواجه بيانات متباينة تجمع بين استمرار ضغوط الأسعار من جهة، ووجود مؤشرات على تباطؤ محتمل في بعض مكونات النشاط الاقتصادي من جهة أخرى. وبرأيها، فإن هذا المزيج يجعل أي قرار سريع محفوفاً بالمخاطر.

وخلال حديثها في مؤتمر نظمه بنك إسبانيا في مدينة سانتاندير، قالت إن أمام الاقتصاد الأميركي مسارين رئيسيين: إما بقاء التضخم أعلى من المستوى المرغوب لفترة أطول، ما قد يفرض إبقاء السياسة النقدية مشددة، أو تباطؤ النمو والاستثمار بما يغيّر أولويات الفيدرالي خلال المرحلة المقبلة.

التضخم والاستثمار يحددان المسار المقبل

ترى دالي أن الخطر الأول يتمثل في أن يتبين أن التضخم أكثر رسوخاً مما كان متوقعاً، وهو ما قد يضطر الفيدرالي إلى مواصلة التشدد لفترة أطول. وفي المقابل، قد يؤدي ضعف العوائد المتوقعة أو تراجع شهية الشركات والمستثمرين إلى خفض وتيرة الاستثمار، الأمر الذي قد يضغط على النمو ويعيد تشكيل حسابات السياسة النقدية.

وأشارت إلى أن الطفرة المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي ما تزال تدعم الاستثمار بقوة، وهو عامل يضيف مزيداً من التعقيد إلى قراءة الاقتصاد. فهذه الطفرة تعني أن بعض الشركات ما زالت تضخ رؤوس أموال كبيرة في البنية التحتية الرقمية والحوسبة والبرمجيات، ما يحافظ على مستوى مرتفع من النشاط الاستثماري رغم القيود النقدية.

كما لفتت إلى أن سوق العمل الأميركي ما يزال مستقراً نسبياً، وهو ما يقلل الحاجة إلى قرارات حادة في الوقت الراهن، لكنه لا يلغي الحاجة إلى مراقبة دقيقة لبيانات الأشهر المقبلة. ووفق هذا التصور، فإن الفيدرالي يحتاج إلى رؤية أوضح قبل الانتقال إلى أي تغيير جوهري في المسار.

دعوة إلى التحرك التدريجي

دافعت دالي عن مقاربة تدريجية في إدارة السياسة النقدية، معتبرة أن التحرك البطيء أفضل من الاستجابة المتسرعة للتغيرات القصيرة الأجل. وأكدت أن صناع السياسة النقدية يجب ألا يبالغوا في رد فعلهم تجاه البيانات المؤقتة أو المتقلبة، لأن الاقتصادات الكبرى تتأثر بعوامل كثيرة يصعب قياسها في لحظتها.

وقالت إن الفيدرالي ينبغي أن يستند إلى البيانات الفعلية، سواء المتعلقة بالتضخم أو بسوق العمل، من دون تعديل المعايير الأساسية التي يستخدمها لقياس التقدم نحو أهدافه. وأضافت أن المطلوب ليس تغيير الهدف أو خفض سقف التوقعات، بل انتظار مؤشرات أكثر رسوخاً تساعد على اتخاذ قرار متوازن.

وتعكس هذه اللهجة توجهاً حذراً داخل المؤسسة النقدية الأميركية، في وقت يحاول فيه صناع القرار الموازنة بين خطر التضخم المستمر وخطر التباطؤ الاقتصادي. فالتشديد المفرط قد يضغط على النمو، بينما التيسير المبكر قد يعيد الضغوط السعرية إلى الواجهة.

انخفاض النفط يمنح دعماً محدوداً

رأت دالي أن تراجع أسعار النفط بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يمثل تطوراً إيجابياً للاقتصاد الأميركي. فهبوط أسعار الطاقة يخفف العبء عن المستهلكين ويقلص كلفة النقل والإنتاج، كما يمكن أن يساهم في تهدئة بعض الضغوط التضخمية.

وبرأيها، فإن عودة النفط إلى مسار هبوطي تعد خبراً أفضل للأسواق وللأسر الأميركية، خصوصاً إذا استمر هذا الاتجاه خلال الفترة المقبلة. كما أشارت إلى أن السياسة النقدية الحالية، بوصفها مقيدة بشكل طفيف، يفترض أن تساعد على استمرار انحسار التضخم باتجاه المستوى المستهدف.

غير أن أثر النفط، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتحديد مسار الفائدة. فالفيدرالي ينظر إلى مجموعة أوسع من المؤشرات تشمل الأسعار الأساسية، وتكاليف الإسكان، وأداء سوق العمل، والإنفاق الاستهلاكي، والاستثمار الخاص. لذلك يبقى أي تحسن في أسعار الطاقة جزءاً من الصورة وليس الصورة كاملة.

الإسكان وسوق العمل يقدمان إشارات مشجعة

أشارت دالي أيضاً إلى أن التضخم في قطاع الإسكان يواصل التراجع داخل الولايات المتحدة، وهو تطور مهم لأن الإسكان يمثل أحد المكونات الثقيلة في حسابات الأسعار. وإذا استمر هذا التراجع، فقد يخفف ذلك من وتيرة التضخم الكلي ويمنح الفيدرالي مساحة أوسع للتحرك لاحقاً.

كما اعتبرت أن استقرار سوق العمل يمنح صناع السياسة النقدية فرصة للتمهل. فحين لا تظهر بوادر ضعف حاد في الوظائف أو ارتفاع كبير في البطالة، يستطيع البنك المركزي أن ينتظر بيانات إضافية قبل اتخاذ قرار بشأن أسعار الفائدة. وهذه النقطة تعزز الرؤية القائلة إن الفيدرالي لا يزال يعتمد سياسة مراقبة دقيقة بدلاً من الانتقال السريع إلى التيسير أو التشديد الإضافي.

وتأتي هذه التصريحات في وقت يراقب فيه المستثمرون الأميركيون والعالميون ملامح المرحلة القادمة من السياسة النقدية، خصوصاً مع استمرار حساسية أسواق الأسهم والسندات والعملات لأي إشارة تصدر عن مسؤولي الفيدرالي. ومع أن الصورة ما تزال غير محسومة، فإن الرسالة الأساسية من دالي واضحة: الاقتصاد ليس في وضع يسمح برد فعل متسرع، والسياسة النقدية ستبقى مرتبطة بالبيانات إلى أن تتضح الاتجاهات أكثر.

وبين ضغوط التضخم من جهة، وقوة الاستثمار المدفوع بالذكاء الاصطناعي، واستقرار سوق العمل، وتراجع أسعار النفط من جهة أخرى، يبدو أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي يواجه مرحلة دقيقة تتطلب موازنة معقدة بين حماية النمو والسيطرة على الأسعار. وهذه الموازنة، وفق ما يعكسه خطاب دالي، ستظل عنوان المرحلة المقبلة في الاقتصاد الأميركي.