14-Jul-2026 5 دقائق قراءة

بلومبرغ: أوروبا قد تتحمل خسائر اقتصادية أكبر من الولايات المتحدة في سيناريو تصعيد مع إيران

تقديرات بلومبرغ إيكونوميكس تشير إلى أن اقتصاد ألمانيا قد يتضرر بقوة في السنة الأولى من أي تصعيد واسع، فيما قد تواجه أوروبا تكاليف اقتصادية وسياسية أعلى من الولايات المتحدة في إدارة الأزمة.

تقديرات تنذر بكلفة اقتصادية أوروبية أعلى

أظهرت حسابات اقتصادية حديثة أن أي تصعيد واسع مرتبط بإيران قد يترك أثراً أشد على اقتصادات أوروبية رئيسية مقارنة بالاقتصاد الأمريكي. ووفق تقديرات وحدة التحليلات الاقتصادية في بلومبرغ إيكونوميكس، فإن ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا تأتي ضمن أكثر الدول عرضة للتأثر في حال تحول التوتر إلى مواجهة كبيرة.

وتعكس هذه القراءة الفجوة بين قدرة الولايات المتحدة وأوروبا على امتصاص الصدمات الجيوسياسية، خاصة عندما تتعلق الأزمة بسلاسل الإمداد، وتكاليف الطاقة، وحركة التجارة العالمية، وثقة المستثمرين. كما تشير التقديرات إلى أن الأسواق الأوروبية قد تكون الأكثر حساسية للاضطرابات السريعة، نظراً لاعتمادها النسبي الأكبر على الاستقرار الخارجي في الطاقة والنقل والتجارة.

وبحسب السيناريو المطروح، فإن الخسائر قد لا تتوقف عند حدود الانكماش المؤقت، بل قد تمتد إلى تراجع واسع في النشاط الصناعي والإنفاق الاستثماري، إلى جانب ضغوط إضافية على قطاعات النقل والتأمين والتمويل. هذه العوامل تجعل أي صدمة في المنطقة قابلة للانتقال بسرعة إلى الاقتصاد الحقيقي في أوروبا.

ألمانيا في مقدمة المتضررين المحتملين

تضع التقديرات الاقتصاد الألماني في موقع شديد الحساسية، إذ قد يخسر نحو 14% من ناتجه المحلي الإجمالي خلال السنة الأولى من الصراع في هذا السيناريو الافتراضي. وهذه النسبة تعادل تقريباً ضعف الخسائر المقدرة للاقتصاد الأمريكي، التي تبلغ 7.3% من الناتج المحلي.

وتستمد ألمانيا هذا التعرض المرتفع من طبيعة اقتصادها الصناعي المفتوح واعتماده الكبير على التجارة الخارجية وسلاسل التوريد العابرة للحدود. كما أن أي اضطراب في إمدادات الطاقة أو في حركة الشحن الدولية سينعكس مباشرة على الإنتاج الصناعي، خاصة في القطاعات المرتبطة بالتصنيع الثقيل والكيماويات والسيارات والآلات.

أما إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، فتبقى هي الأخرى ضمن قائمة الدول الأكثر تأثراً، وإن بدرجات متفاوتة، نتيجة الارتباط الوثيق بين استقرار الأسعار، والتجارة مع الأسواق الخارجية، وتذبذب الطلب الاستثماري والسياحي. وفي حال امتد التصعيد إلى الأسواق المالية، فإن كلفة الاقتراض والتمويل قد ترتفع أيضاً بما يضغط على النمو.

أوروبا تواجه فجوة في سرعة القرار والاستجابة

تشير بلومبرغ إلى أن أحد أبرز نقاط الضعف الأوروبية لا يتعلق فقط بحجم الخسارة المحتملة، بل بسرعة اتخاذ القرار في الأزمات. فعمليات المحاكاة العسكرية والاقتصادية التي استندت إليها التقديرات أظهرت أن التصعيد الحاد قد يفرض على الدول الأوروبية التحرك خلال ساعات قليلة، بينما لا يمتلك الاتحاد الأوروبي حالياً البنية التنفيذية نفسها التي تسمح برد سريع ومتماسك.

وتلفت المصادر إلى أن التصور الأوروبي التقليدي للأزمات الكبرى كان يقوم على الاكتفاء بالدعوة إلى التهدئة وانتظار الموقف الأمريكي. غير أن هذا النموذج يبدو أقل فاعلية في ظل التبدلات السياسية في واشنطن، وما يرافقها من احتمالات تغير أولويات الرد والتحالفات وطبيعة التدخل.

ومن منظور اقتصادي، فإن بطء الاستجابة لا يقتصر أثره على المسار الدبلوماسي، بل ينعكس أيضاً على ثقة الشركات، وخطط الاستثمار، واستقرار العملة والأسواق. وكلما تأخر الحسم السياسي، زادت احتمالات انتقال حالة القلق إلى المستهلكين والمستثمرين داخل القارة.

خسائر عالمية قد تتجاوز أزمات كبرى سابقة

تقدّر بلومبرغ إيكونوميكس أن إجمالي الخسائر التي قد يتكبدها الاقتصاد العالمي في هذا السيناريو قد يصل إلى نحو 8%. وهذا المستوى، بحسب التقديرات، يفوق ما شهدته الأسواق خلال الأزمة المالية العالمية في 2008 و2009، وكذلك خلال ذروة جائحة كورونا في 2020.

وتعني هذه المقارنة أن أي اضطراب كبير في المنطقة لن يبقى محصوراً في الإطار الإقليمي، بل قد يمتد إلى حركة النفط والشحن البحري والتجارة الدولية وسلوك البنوك المركزية والشركات متعددة الجنسيات. كما قد تدفع المخاوف من اتساع الأزمة إلى إعادة تسعير المخاطر في أسواق الأسهم والسندات والسلع الأساسية.

وفي السياق الأوسع، تظهر هذه التقديرات مدى الترابط بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد الرقمي والاقتصاد العالمي عموماً. فحتى الاقتصادات المتقدمة التي تبدو بعيدة جغرافياً عن مناطق التوتر قد تتأثر سريعاً عبر بيانات السوق، وإدارة المخزون، ومنصات التمويل، وسلاسل التوريد الرقمية التي أصبحت العمود الفقري للتجارة الحديثة.

دلالات تتجاوز الحسابات الافتراضية

تكشف هذه الأرقام أن كلفة الأزمات الجيوسياسية لم تعد تقاس فقط بميزان القوة العسكرية، بل أيضاً بسرعة تفاعل الأسواق وقدرة الحكومات على إدارة الصدمة. وفي حالة أوروبا، فإن الاعتماد على بيئة دولية مستقرة بات جزءاً من المعادلة الاقتصادية، سواء في الصناعة أو الطاقة أو التجارة أو التمويل.

كما تشير التقديرات إلى أن أي اهتزاز جديد في الشرق الأوسط يمكن أن يعيد ترتيب أولويات الاستثمار والسياسات المالية والنقدية داخل القارة الأوروبية. وهذا يفرض على الحكومات والشركات على حد سواء التفكير في بناء هوامش أمان أكبر، سواء عبر تنويع مصادر الطاقة أو تعزيز المخزونات الاستراتيجية أو تقوية قنوات الاستجابة السريعة.

وبينما تبقى هذه الحسابات افتراضية، فإنها تقدم مؤشراً واضحاً على أن التكلفة الاقتصادية للأزمات الكبرى قد تكون أعنف من التوقعات السياسية التقليدية، وأن أوروبا قد تجد نفسها في موقع أكثر هشاشة مما تعكسه قدرتها الاقتصادية الظاهرة.