قدّرت دراسة حديثة أن الولايات المتحدة وأوروبا الغربية ستحتاجان إلى استثمارات تراكمية هائلة خلال العقود المقبلة إذا أرادتا تقليص اعتمادهما الصناعي على الصين وإعادة بناء قدرات إنتاجية أكثر استقلالا. وتضع الدراسة، التي استندت إليها فايننشال تايمز، حجم التمويل المطلوب عند 23.6 تريليون دولار بحلول عام 2050.
وتوزع التقدير على ثلاث كتل رئيسية: 13.7 تريليون دولار حصة الولايات المتحدة، و9.1 تريليون دولار لمنطقة اليورو، ونحو 800 مليار دولار لبريطانيا. ويعكس هذا الرقم، بحسب التحليل، حجم التحول المطلوب في البنية الصناعية واللوجستية والتكنولوجية في الاقتصادات المتقدمة خلال السنوات المقبلة.
استثمارات تتجاوز البنية التقليدية
ترى الدراسة أن الأموال المطلوبة لن تذهب فقط إلى المصانع أو المعدات، بل ستشمل أيضا تحديث البنية التحتية، وتوسيع قواعد البحث والتطوير، ورفع كفاءة البرمجيات، وتعزيز القدرات الإنتاجية، إلى جانب إعادة ترتيب سلاسل التوريد التي لا تزال مرتبطة بدرجة كبيرة بالموردين الصينيين.
ويشير هذا التصور إلى أن السيادة الصناعية في المرحلة المقبلة لن تقوم على التصنيع وحده، بل على قدرة الاقتصاد على التحكم في حلقات التصميم والتمويل والبرمجيات واللوجستيات، وهي عناصر أصبحت أساسية في المنافسة الاقتصادية العالمية.
550 مليار دولار سنويا للولايات المتحدة
بحسب الأرقام الواردة في التحليل، ستحتاج الولايات المتحدة وحدها إلى إنفاق سنوي يقارب 550 مليار دولار. وتضع الصحيفة هذا المبلغ في سياق واقعي عبر مقارنته بإنفاق العام الماضي على مراكز البيانات، والذي بلغ نحو 600 مليار دولار، بما يشير إلى أن حجم الاستثمار المطلوب، رغم ضخامته، ليس منفصلا تماما عن الاتجاهات الإنفاقية الحالية في الاقتصاد الأميركي.
أما على مستوى الولايات المتحدة وأوروبا مجتمعتين، فتقدّر الدراسة أن المطلوب سنويا يضاف إلى الإنفاق القائم بنحو 940 مليار دولار. وهذه الزيادة، وفق المحللين، ليست مستحيلة نظريا، لكنها تأتي فوق التزامات قائمة بالفعل في الطاقة والتكنولوجيا والدفاع والبنية التحتية.
إعادة التوطين ليست مهمة سهلة
يحذر محللو EY-Parthenon من أن إعادة توطين سلاسل التوريد محليا، من دون تحميل دافعي الضرائب والمستهلكين أعباء مفرطة، ستشكل واحدة من أعقد المهام أمام الحكومات والشركات خلال السنوات المقبلة. فإعادة بناء قواعد الإنتاج لا تعني فقط نقل المصانع، بل أيضا إيجاد بدائل عملية للمواد الأولية والمكونات الوسيطة والخدمات اللوجستية.
ويعني ذلك أن أي محاولة لفك الارتباط الاقتصادي مع الصين ستتطلب توازنا دقيقا بين الأمن الاقتصادي من جهة، والقدرة التنافسية من جهة أخرى. كما أن إبطاء الاندماج في سلاسل الإمداد الصينية قد يفرض كلفة انتقالية كبيرة قبل ظهور أي مكاسب استراتيجية طويلة الأجل.
مخاطر ارتفاع الأسعار في أوروبا
تتوقع الدراسة أن تؤدي سياسات خفض الاعتماد على الصين إلى ضغوط سعرية واضحة، لأن المنتجات الصينية ما زالت تتمتع بميزة سعرية تتراوح بين 20% و100% مقارنة بالبدائل الغربية. وهذا الفارق يجعل نقل الإنتاج إلى الداخل أو إلى دول أكثر قربا اقتصاديا وجغرافيا عملية مكلفة في المدى القصير.
وفي أوروبا، يتوقع التحليل أن ترتفع الأسعار في قطاعات رئيسية بنسبة تتراوح بين 1% و2.5%. وقد يدفع ذلك البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا إلى إعادة تقييم مستهدفات التضخم بشكل تدريجي، في وقت تستقر فيه المستويات الحالية عند 2%.
ويربط هذا السيناريو بين السياسة الصناعية والسياسة النقدية بشكل مباشر، إذ إن أي انتقال سريع نحو التصنيع المحلي قد ينعكس على تكاليف الإنتاج والاستهلاك، ما يضع البنوك المركزية أمام معادلة أكثر تعقيدا بين دعم النمو والسيطرة على الأسعار.
سيناريو الفصل الجزئي هو الأقرب
يرجح ماتس بيرسون، المحلل في EY-Parthenon، أن يكون السيناريو الأكثر واقعية هو الفصل الجزئي لا القطيعة الكاملة. ووفقا لهذا التصور، ستختار الشركات القطاعات التي تستحق الاستثمار المحلي أو الإقليمي بعناية، بدلا من محاولة قطع العلاقات الاقتصادية مع بكين بشكل شامل.
هذا الاتجاه يعكس، في جوهره، مقاربة براغماتية تتعامل مع الصين بوصفها شريكا تجاريا لا يمكن الاستغناء عنه بالكامل، وفي الوقت نفسه منافسا استراتيجيا يتطلب تقليل التعرض له في المجالات الحساسة، مثل التقنيات المتقدمة والمكونات الصناعية الأساسية وسلاسل الإمداد الحيوية.
وبين الطموح السياسي لإعادة السيادة الصناعية والواقع المالي لسلاسل الإنتاج العالمية، تبدو السنوات المقبلة اختبارا حقيقيا لقدرة الولايات المتحدة وأوروبا على تحويل الخطط النظرية إلى استثمارات قابلة للتنفيذ. فحجم التمويل المطلوب ضخم، لكن كلفة البقاء في الاعتماد الحالي قد تكون أعلى على المدى الطويل.