تراجع الدولار مع انحسار الطلب على الملاذات الآمنة
سجل الدولار الأميركي أدنى مستوى له في نحو عشرة أيام أمام العملات الرئيسية، بعدما خففت أنباء اتفاق أولي بين الولايات المتحدة وإيران من حدة المخاوف الجيوسياسية، ودعمت في الوقت نفسه موجة صعود في الأصول الأعلى مخاطرة.
وجاء الضغط على العملة الأميركية بالتزامن مع هبوط ملحوظ في أسعار النفط، إذ رأت الأسواق أن أي تهدئة في التوترات المتعلقة بإمدادات الطاقة قد تقلص علاوة المخاطر التي تراكمت خلال الأسابيع الماضية. ومع تراجع أسعار الخام، ضعفت أيضاً بعض دوافع التحوط التي كانت تدعم الدولار باعتباره ملاذاً آمناً في أوقات الاضطراب.
وظهر أثر ذلك بوضوح في التداولات الآسيوية، حيث استقر مؤشر الدولار قرب 99.55 بعد أن لامس في وقت مبكر من الجلسة أدنى مستوياته منذ الخامس من يونيو. ويقيس المؤشر أداء العملة الأميركية مقابل سلة من العملات الرئيسية، بينها اليورو والين.
النفط والغاز يضغطان على اتجاهات الأسواق
انخفض خام برنت بأكثر من 4 في المائة إلى 83.82 دولار للبرميل، في حركة فسرتها الأسواق على أنها انعكاس مباشر لتوقعات بعودة تدريجية لحركة التجارة والطاقة إذا مضى الاتفاق قدماً. لكن المتعاملين ما زالوا حذرين، لأن إعادة فتح مضيق هرمز فعلياً، واستقرار تدفقات النفط والغاز عبره، سيحتاجان إلى وقت وإجراءات عملية إضافية.
وفي سوق الغاز الأوروبي، تراجعت العقود الآجلة بنحو 5 في المائة. وهبط العقد الهولندي القياسي لشهر التسليم الأول إلى 44.36 يورو لكل ميغاواط/ساعة، بينما انخفض العقد البريطاني إلى 106.17 بنس للوحدة الحرارية. وبذلك اقتربت الأسعار من أدنى مستوياتها منذ مطلع مايو، مع عودة المستثمرين إلى تسعير سيناريو أقل توتراً في أسواق الإمداد.
ورغم هذا التراجع، لا تزال الأساسيات في سوق الغاز شديدة الحساسية. فمستويات التخزين في أوروبا أقل من الفترة نفسها من العام الماضي، كما أن الطلب في آسيا على الغاز الطبيعي المسال لا يزال مرتفعاً، ما يجعل أي اضطراب جديد في الإمدادات قادراً على قلب الاتجاه سريعاً.
اليورو والإسترليني والعملات المرتبطة بالمخاطر تستفيد
في أسواق الصرف، استقر اليورو عند 1.1601 دولار، بارتفاع طفيف بلغ 0.3 في المائة، فيما صعد الجنيه الإسترليني بنسبة 0.2 في المائة إلى 1.3434 دولار. كما شهد الدولار الأسترالي والدولار النيوزيلندي، وهما من العملات الأكثر تأثراً بالنزعة إلى المخاطرة، مكاسب أوضح خلال الجلسة.
وارتفع الدولار الأسترالي إلى 0.7079 دولار، بينما تقدم الدولار النيوزيلندي إلى 0.5854 دولار. وتعكس هذه التحركات تحسناً نسبياً في المزاج العام لدى المستثمرين، الذين بدأوا يعيدون توزيع مراكزهم بعيداً عن الملاذات التقليدية وباتجاه العملات والقطاعات المرتبطة بالنمو والتجارة العالمية.
وقال محللون إن الحركة الحالية قد تبقى محدودة ما لم تظهر تفاصيل أكثر وضوحاً بشأن تنفيذ الاتفاق، وخصوصاً توقيت إعادة فتح المضيق وسرعة عودة تدفقات الطاقة إلى مستوياتها الطبيعية. كما أشاروا إلى أن السوق ما زالت تتعامل مع الاتفاق باعتباره إطاراً سياسياً أولياً وليس تسوية نهائية مكتملة.
البنوك المركزية تدخل مرحلة قرار حساسة
يتزامن تبدل شهية المخاطرة مع أسبوع مزدحم بقرارات البنوك المركزية الكبرى، ما يمنح الأسواق طبقة إضافية من الترقب. فمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يُتوقع على نطاق واسع أن يبقي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.5 إلى 3.75 في المائة، لكن الأنظار ستتجه إلى البيان الرسمي والمؤتمر الصحافي لرصد أي إشارات إلى مسار السياسة خلال الأشهر المقبلة.
كما يترقب المستثمرون اجتماع بنك اليابان، وسط توقعات برفع أسعار الفائدة إلى 1 في المائة، وهو أعلى مستوى في 31 عاماً. وتركز الأسواق أيضاً على ما إذا كان البنك سيحافظ على نبرة متشددة، في ظل استمرار الضغوط التضخمية في اليابان وتذبذب الين حول مستوى 160 للدولار، وهو مستوى حساس يثير تكهنات بالتدخل الرسمي.
أما بنك الاحتياطي الأسترالي، فمن المنتظر أن يثبت أسعار الفائدة عند 4.35 في المائة بعد ثلاث زيادات خلال هذا العام. وتتعامل الأسواق مع قرارات هذا الأسبوع بوصفها اختباراً لمدى قدرة البنوك المركزية على الموازنة بين تباطؤ التضخم من جهة، والتقلبات الجديدة في أسعار الطاقة من جهة أخرى.
لاغارد تتمسك بمهمة كبح التضخم
في أوروبا، شددت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد على أنها ستواصل أداء مهامها لضمان الحفاظ على استقرار الأسعار، في وقت ما زالت فيه تطورات الشرق الأوسط تلقي بظلالها على توقعات التضخم في المنطقة. وذكرت أن مسؤولية البنك لا تنحصر في مراقبة المؤشرات الحالية، بل تمتد إلى إدارة المخاطر التي قد تعيد إشعال الضغوط السعرية.
وكان البنك المركزي الأوروبي قد رفع أسعار الفائدة الأسبوع الماضي إلى 2.25 في المائة، في خطوة هدفت إلى التصدي لتأثيرات ارتفاع الطاقة على الأسعار. وتقول لاغارد إن الهدف الأساسي يظل حماية استقرار الأسعار، مع الاستعداد للتعامل مع أي صدمات جديدة قد تنتج عن مشهد الطاقة العالمي.
وبالنسبة للأسواق، فإن أي تهدئة جيوسياسية تمنح البنوك المركزية هامشاً أكبر لالتقاط الأنفاس، لكنها لا تلغي تماماً المخاطر المرتبطة بالسلع والطاقة. لذلك، سيبقى اتجاه التضخم ووتيرة خفض الضغوط السعرية رهينين بما إذا كان الاتفاق الأولي سيترجم إلى استقرار فعلي ومستدام في الإمدادات.
أسواق تنتظر وضوحاً أكبر قبل إعادة التسعير الكامل
تشير التحركات الحالية إلى أن المستثمرين أعادوا تقييم جزء من المخاطر، لكنهم لم ينتقلوا بعد إلى قناعة راسخة بأن المشهد الجيوسياسي استقر. فالسوق عادة ما تسبق الأحداث، لكنها لا تمنح إشاراتها النهائية إلا بعد تأكد التنفيذ على الأرض، وهو ما لم يحدث بعد في هذا الملف.
ومع استمرار التذبذب في أسواق العملات والطاقة، تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كان هبوط الدولار وملفات السلع سيبقى مؤقتاً أم يتحول إلى اتجاه أوسع. وفي كل الأحوال، فإن الرسالة الأساسية للأسواق حتى الآن هي أن أي انفراج دبلوماسي ينعكس سريعاً على التسعير العالمي، من النفط إلى العملات ثم إلى توقعات الفائدة والتضخم.