15-Jul-2026 5 دقائق قراءة

أسعار الغاز الأوروبي تقفز إلى أعلى مستوى في 3 أشهر مع تصاعد مخاطر مضيق هرمز

ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا إلى أعلى مستوى لها في ثلاثة أشهر بعد تصاعد المخاوف من اضطرابات محتملة في شحنات الطاقة عبر مضيق هرمز، بينما عززت التوترات الإقليمية أسعار النحاس والمعادن الأخرى أيضاً.

أسعار الغاز الأوروبي تتفاعل مع مخاطر الإمدادات

سجلت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا قفزة إلى أعلى مستوياتها منذ ثلاثة أشهر، بعد أن زادت التطورات المرتبطة بمضيق هرمز من القلق بشأن استقرار تدفقات الطاقة من الشرق الأوسط. وجاءت الحركة الصعودية بعد إعلان أميركي أثار مخاوف الأسواق من فرض رسوم على الشحنات العابرة للممر البحري الحيوي، وهو ما أعاد ملف أمن الإمدادات إلى صدارة الاهتمام في أسواق الغاز.

وارتفعت العقود الآجلة القياسية للجلسة الثانية على التوالي، في إشارة إلى أن المتعاملين بدأوا يعيدون تسعير المخاطر الجيوسياسية بشكل أسرع. وتتعامل الأسواق الأوروبية مع هذه الزيادة في توقيت حساس للغاية، إذ تسعى القارة إلى تعزيز مخزونات الغاز قبل موسم الشتاء المقبل، بينما تظل الإمدادات العالمية محدودة نسبياً مقارنة بمستويات الطلب.

ويعكس هذا التحرك أيضاً هشاشة التوازن بين العرض والطلب في سوق الطاقة العالمية، خصوصاً مع اعتماد جزء مهم من الإمدادات على الممرات البحرية وخطوط الشحن المرتبطة بالشرق الأوسط. وأي اضطراب إضافي في تلك المسارات قد يترجم سريعاً إلى ارتفاع في الأسعار الفورية والآجلة.

أوروبا تواجه ضغطاً إضافياً قبل الشتاء

تأتي هذه الزيادة في وقت تعمل فيه أوروبا على إعادة بناء مخزوناتها من الغاز قبل انخفاض درجات الحرارة. ومع استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي، تبدو مهمة التخزين أكثر كلفة وتعقيداً، لأن أي تشدد إضافي في السوق العالمية يرفع تكلفة الشراء ويقلص هامش المناورة أمام شركات الطاقة والمرافق العامة.

كما أن أوروبا لا تنظر إلى أسعار الغاز باعتبارها قضية طاقة فقط، بل بوصفها مؤشراً واسع التأثير على التضخم الصناعي وتكاليف التدفئة والإنتاج والكهرباء. فكل ارتفاع في الأسعار ينعكس على سلاسل القيمة داخل قطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، من الصناعة الثقيلة إلى الخدمات اللوجستية.

وفي هذا السياق، أصبح عنصر المخاطرة السياسية جزءاً رئيسياً من تسعير الغاز، إلى جانب العوامل الموسمية ومعدلات التخزين وحركة الشحن العالمية. وهذا ما يفسر حساسية السوق لأي تصريح أو إجراء قد يرتبط بسلامة الممرات البحرية أو استقرار الإمدادات من المنطقة.

التحركات تمتد إلى أسواق المعادن

لم يقتصر تأثير التوترات على الغاز وحده، إذ شهدت أسواق المعادن الأساسية موجة صعود لافتة، وفي مقدمتها النحاس الذي ارتفع إلى أعلى مستوى له في ثلاثة أسابيع. وجاء الدعم من مؤشرات على تحسن الطلب في الصين، إلى جانب تشدد الإمدادات الفورية وتزايد القلق بشأن اضطرابات الشحن والتوريد.

وسجل النحاس القياسي لأجل ثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن ارتفاعاً طفيفاً لكنه مهم من حيث الدلالة، بينما صعد العقد الأكثر تداولاً في شنغهاي بوتيرة أكبر. ويشير ذلك إلى أن السوق الصينية، بوصفها أكبر مستهلك للمعادن في العالم، تلعب دوراً حاسماً في تحديد اتجاهات الأسعار العالمية.

كما ساهم ارتفاع العلاوات في السوق الفورية وتراجع المخزونات في دعم الأسعار، وهو ما يعني أن الإمدادات المتاحة حالياً أصبحت أقل مرونة. وإلى جانب ذلك، استفادت المعادن المقومة بالدولار من تراجع العملة الأميركية، لأن انخفاض الدولار يخفض تكلفة الشراء على المستثمرين خارج الولايات المتحدة.

الصين والدولار والطلب الفوري عوامل داعمة

أظهرت بيانات التجارة الصينية الأخيرة تحسناً في الصادرات، وهو ما عزز التوقعات بأن النشاط الصناعي ما زال قادراً على توفير بعض الدعم للطلب على المعادن الأساسية. وفي الحالات التي تتحسن فيها مؤشرات التصدير والتصنيع، تميل الأسواق إلى رفع توقعاتها لاستهلاك النحاس والزنك والألمنيوم في قطاعات البناء والطاقة والبنية التحتية.

غير أن هذا الدعم لا يعمل بمعزل عن البيئة العامة للأسواق. فالمتعاملون يراقبون في الوقت نفسه مؤشرات الشحن والمخزونات والعلاوات الفورية، لأن هذه العناصر تعطي صورة أسرع عن شدة الطلب مقارنة بالبيانات الاقتصادية المتأخرة. وعندما تتراجع المخزونات وترتفع العلاوات، تكون الإشارة غالباً إلى تشدد فعلي في المعروض.

أما في المعادن الأخرى، فقد سجل الألمنيوم والزنك والقصدير مكاسب متفاوتة، في حين تحرك النيكل والرصاص بشكل أكثر تبايناً. ويعكس هذا التفاوت اختلاف أوضاع العرض والطلب بين كل معدن وآخر، لكنه يؤكد في المحصلة أن أسواق المواد الخام دخلت مرحلة أكثر تأثراً بالمخاطر الخارجية.

النفط والتضخم يزيدان حذر المستثمرين

امتد القلق من الطاقة إلى أسواق الأسهم الأميركية، حيث تحركت العقود الآجلة في اتجاهات متباينة قبيل صدور بيانات التضخم وبدء موسم نتائج البنوك الكبرى. وارتبط هذا التباين بمخاوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى إعادة إحياء الضغوط التضخمية، وهو ما قد يقيّد قدرة مجلس الاحتياطي الفيدرالي على التيسير النقدي.

وتترقب الأسواق الأميركية قراءة مؤشر أسعار المستهلكين باعتبارها اختباراً مهماً لحالة التضخم، لكن التوترات الجيوسياسية قد تجعل أثر أسعار الطاقة أكثر حضوراً من البيانات نفسها. فإذا استمرت موجة الصعود في النفط والغاز، فقد تمتد آثارها إلى قطاعات أوسع، من النقل إلى الغذاء والخدمات.

وفي الوقت ذاته، بدأت توقعات المستثمرين لاحتمال رفع الفائدة مجدداً ترتفع في بعض أدوات التسعير، بعد تصريحات اتسمت بنبرة حذرة من مسؤولي السياسة النقدية. وهذا يعني أن الأسواق باتت تتعامل مع مزيج معقد من التضخم والطاقة والجغرافيا السياسية في آن واحد.

خلاصة المشهد في أسواق الطاقة والمواد الخام

المشهد الحالي يعكس ترابطاً واضحاً بين أسواق الغاز والنفط والمعادن، إذ يكفي تصعيد واحد في منطقة شديدة الحساسية مثل الشرق الأوسط لإعادة توجيه الأسعار في أكثر من سوق. وفي ظل هذه البيئة، تبقى أوروبا الأكثر تعرضاً لضغط مباشر بسبب حاجتها إلى التخزين قبل الشتاء واعتمادها النسبي على السوق العالمية.

كما أن استمرار التوترات يفرض على الشركات والمستوردين تبني استراتيجيات أكثر تحفظاً في الشراء والتخزين والتحوط. ومع محدودية الإمدادات العالمية وارتفاع كلفة الشحن والتأمين، يبدو أن الأسواق ستبقى شديدة الحساسية لأي تطور جديد في الممرات البحرية أو تدفقات الطاقة القادمة من المنطقة.