ارتفاع جديد في تداولات الغاز الأوروبية
سجلت أسعار الغاز في أوروبا بداية تداولات شهر يوليو ارتفاعا جديدا، بعدما افتتحت العقود الآجلة الأقرب أجلا على مؤشر TTF في هولندا عند مستوى 494.3 دولار لكل ألف متر مكعب، بزيادة بلغت 2.9% مقارنة بجلسة التسوية السابقة.
ومع استمرار الجلسة، اتسع نطاق الحركة السعرية قبل أن يستقر آخر تداول عند 503.2 دولار لكل ألف متر مكعب، مرتفعا بنحو 4.8%. وخلال التعاملات، تذبذبت الأسعار بين 484.2 دولار كأدنى مستوى و505.8 دولار كأعلى مستوى، في إشارة إلى حساسية السوق الأوروبية لأي تطورات مرتبطة بالإمدادات أو التوترات الإقليمية.
ويعد مؤشر TTF من أبرز المراجع السعرية للغاز في أوروبا، إذ يستخدم على نطاق واسع في تسعير عقود الغاز الفورية والآجلة، ما يجعل تحركاته مؤشرا مهما على اتجاهات سوق الطاقة في القارة.
تقلبات حادة منذ بداية العام
الارتفاع الأخير يأتي ضمن سلسلة من التحركات المتقلبة التي شهدتها أسعار الغاز الأوروبية خلال الأشهر الماضية. ففي مارس، قفز متوسط الأسعار بنحو 60% مقارنة بشهر فبراير، مدفوعا بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، لتتجاوز الأسعار مستوى 600 دولار لكل ألف متر مكعب للمرة الأولى منذ فبراير 2023.
لكن السوق عادت لاحقا إلى التراجع في أبريل، حين هبطت الأسعار بنحو 14% لتستقر قرب 540 دولارا لكل ألف متر مكعب. وفي الشهر الماضي، شهدت الأسعار موجة صعود قصيرة تجاوزت خلالها مستوى 600 دولار لفترة محدودة بين 15 و20 مايو، قبل أن تعود إلى نطاق أضيق من التداول.
وتعكس هذه الحركة أن سوق الغاز الأوروبية لا تزال شديدة التأثر بعوامل المخاطر الجيوسياسية، إلى جانب توقعات الطلب الموسمي ومستوى المخزونات وتكاليف الإمداد عبر خطوط الأنابيب والغاز المسال.
ذروة مارس تبرز هشاشة السوق
أعلى مستوى سجلته الأسعار خلال فترة النزاع الأخيرة كان في 19 مارس، عندما وصلت إلى 853.7 دولار لكل ألف متر مكعب. وجاءت تلك القفزة بعد إعلان تأثر وحدتين من أصل 14 وحدة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة قطر للطاقة في قطر، ما أثار قلقا إضافيا في أسواق الطاقة العالمية.
ولم تكن تلك المستويات مسجلة منذ أوائل يناير 2023، وهو ما أظهر مدى سرعة تأثر السوق الأوروبية بأي اضطراب، حتى لو كان خارج حدود القارة. فاعتماد أوروبا على واردات الغاز المسال والأسواق الفورية يجعل الأسعار أكثر عرضة للتقلب مقارنة بالأسواق ذات العقود الطويلة الأجل.
وفي هذا السياق، تتزايد أهمية متابعة مسار الإمدادات العالمية، خصوصا مع ارتباط أوروبا بعدد من مصادر التوريد المتنوعة، بدءا من الغاز المسال ووصولا إلى الواردات عبر الأنابيب، في وقت لا تزال فيه البدائل مكلفة نسبيا.
مقارنة تاريخية مع موجة الأزمة السابقة
رغم الارتفاعات الحالية، تبقى أزمة الطاقة التي شهدتها أوروبا في عامي 2021 و2022 الأكثر حدة في تاريخ السوق الحديثة. ففي أوائل ربيع 2022، سجلت أسعار الغاز مستوى قياسيا بلغ 3892 دولارا لكل ألف متر مكعب، وهو رقم يعكس حجم الصدمة التي واجهها القطاع آنذاك.
مقارنة بهذه الذروة التاريخية، تبدو الأسعار الحالية أقل بكثير، لكنها ما زالت ضمن نطاق مرتفع يضغط على تكاليف الشركات والمستهلكين، خاصة في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الصناعة الثقيلة والأسمدة والكيماويات.
كما أن استمرار الأسعار عند مستويات تفوق المعدلات التاريخية طويلة الأجل يبقي ملف أمن الطاقة في صدارة أولويات الحكومات الأوروبية، سواء من خلال تنويع مصادر التوريد أو الاستثمار في البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال أو تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة.
ما الذي يعنيه ذلك للأسواق الأوروبية؟
التحرك إلى مستوى 503 دولارات لكل ألف متر مكعب لا يمثل فقط رقما جديدا في شاشات التداول، بل يعكس حالة من عدم اليقين لا تزال تحكم سوق الغاز في أوروبا. فالمتداولون يراقبون عن قرب أي تطورات في الشرق الأوسط، وأي مؤشرات على تعطل الإمدادات أو تغيرات في الطلب العالمي على الغاز المسال.
كما أن الأسعار المرتفعة نسبيا قد تنعكس تدريجيا على تكلفة الكهرباء والتدفئة وعلى هوامش أرباح الشركات الصناعية، خاصة إذا استمرت التقلبات خلال فصل الصيف وما بعده. ومع أن السوق لم تعد عند مستويات أزمة 2022، فإن هشاشتها ما زالت قائمة، ما يجعل أي اضطراب جديد كفيلا بإعادة الأسعار إلى مسار صعودي سريع.
وبين الضغوط الجيوسياسية واحتياجات التخزين قبل الشتاء القادم، يبقى الغاز الأوروبي أحد أكثر أسواق الطاقة حساسية في العالم، مع استمرار الترقب لمدى قدرة الإمدادات على استيعاب الصدمات المقبلة دون قفزات حادة في الأسعار.