عودة الحركة إلى مضيق هرمز تهدئ أسواق الغاز
أظهرت بيانات تتبع السفن أن ناقلة غاز طبيعي مسال مستأجرة من شركة بترونت الهندية عبرت مضيق هرمز في اتجاه الشرق، في إشارة أولية إلى تحسن مسار الشحن عبر أحد أهم الممرات الحيوية لتجارة الطاقة العالمية بعد التوصل إلى اتفاق أولي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب وإعادة فتح المضيق.
الناقلة، التي تحمل اسم «ديشا»، كانت قد تسلمت شحنتها من ميناء رأس لفان في قطر خلال مطلع مارس، ثم بقيت متوقفة لفترة في المنطقة الواقعة غرب المضيق. ولم تظهر بيانات التتبع الوجهة النهائية بشكل مباشر، لكن مصدراً مطلعاً على الأمر قال إن الشحنة مرشحة للوصول إلى محطة داهيج لتسييل الغاز في الهند.
ويأتي هذا التطور في وقت يراقب فيه المتعاملون في سوق الطاقة أي مؤشرات على عودة الانسياب الطبيعي لإمدادات الغاز المسال من الخليج، بعد حالة من الاضطراب سببتها التوترات الأمنية في الممر البحري الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية.
هبوط أسعار الغاز الأوروبية إلى أدنى مستوياتها منذ مايو
تفاعلت الأسواق الأوروبية سريعاً مع الأخبار المتعلقة بالمضيق، إذ تراجعت عقود الغاز الطبيعي بنحو 5 في المائة في جلسة الاثنين. وجاء الانخفاض مدفوعاً بتوقعات أن أي تهدئة في المنطقة قد تقلص مخاطر الإمداد وتخفف علاوة المخاطر التي تراكمت في الأسعار خلال الفترة الماضية.
وبحسب بيانات بورصة إنتركونتيننتال، هبط العقد الهولندي القياسي للشهر الأول في مركز تي تي إف إلى 44.36 يورو لكل ميغاواط/ساعة بعد تراجع قدره 2.41 يورو بحلول الساعة 06:51 بتوقيت غرينيتش. كما انخفض العقد البريطاني للشهر الأول إلى 106.17 بنس لكل وحدة حرارية بعد هبوط بلغ 5.74 بنس. وجرى تداول العقدين عند مستويات هي الأدنى منذ أوائل مايو.
وتعكس هذه التحركات حساسية سوق الغاز الأوروبية لأي تطورات جيوسياسية في الشرق الأوسط، خاصة أن الغاز الطبيعي المسال يعد ركناً أساسياً في مزيج الإمدادات لدى القارة، لا سيما خلال فترات ارتفاع الطلب أو تراجع إنتاج الطاقة المتجددة.
الأنظار تتجه إلى سرعة استئناف الإنتاج في الخليج
على الرغم من الإشارة الإيجابية المرتبطة بعودة سفن الشحن إلى المضيق، فإن محللين حذروا من أن السؤال الأهم لا يتعلق بفتح الممر فقط، بل بمدى سرعة تعافي الإنتاج والبنية التحتية في المنطقة. وأشارت كبيرة المحللين في بنك نورديا، ثينا مارغريت سالتفيت، إلى أن حجم الأضرار التي لحقت بمنشآت إنتاج الغاز والبنية الأساسية في قطر قد يفرض جدول إصلاحات ممتداً، ما يعني أن استعادة الطاقة الإنتاجية الكاملة قد لا تكون فورية.
كما أوضح محللون آخرون أن السوق الأساسية ما زالت متماسكة رغم هبوط الأسعار، مستندين إلى عاملين رئيسيين: انخفاض المخزونات الأوروبية، واستمرار قوة الطلب الآسيوي على الغاز الطبيعي المسال. هذا التوازن بين المخاطر الجيوسياسية والطلب العالمي يبقي الأسعار عرضة لتقلبات سريعة، حتى في حال هدوء نسبي على مستوى الممرات البحرية.
وقال آرني لومان راسموسن، كبير المحللين في شركة إدارة المخاطر العالمية، إن قوة الأساسيات لا تزال حاضرة، في ظل ضيق المخزونات الأوروبية وارتفاع واردات آسيا من الغاز المسال. وهذا يعني أن أي انفراج في مضيق هرمز قد يخفف الضغط مؤقتاً، لكنه لا ينهي العوامل الداعمة للأسعار بالكامل.
الطقس والطاقة النووية والرياح تضيف عوامل ضغط جديدة
إلى جانب التطورات السياسية، تراقب السوق الأوروبية مؤشرات الطقس في الأسبوع المقبل، إذ قد يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة الطلب على الغاز المستخدم في توليد الكهرباء، خاصة إذا تراجع إنتاج طاقة الرياح. كما أن احتمال فرض قيود على محطات الطاقة النووية الفرنسية قد يضيف مزيداً من الاعتماد على الغاز في تلبية الأحمال الكهربائية.
وفي هذا السياق، لفت أولريش ويبر من مجموعة بورصة لندن إلى أن ارتفاع درجات الحرارة المتوقع قد يعزز الطلب على الغاز في توليد الكهرباء، بينما يبقى أداء الرياح عاملاً حاسماً في تحديد حجم السحب من المخزونات خلال الأيام المقبلة.
وتُظهر بيانات البنية التحتية للغاز في أوروبا أن نسبة امتلاء مواقع التخزين في الاتحاد الأوروبي بلغت 44.34 في المائة فقط، مقارنة مع 53.02 في المائة في الفترة نفسها من العام الماضي. ويعني هذا الفارق أن السوق تدخل الموسم المقبل بهامش أمان أضيق، ما يزيد من حساسيتها لأي اضطراب جديد في الإمدادات أو الطلب.
دلالات أوسع لسوق الغاز المسال العالمي
يؤكد عبور الناقلة من جديد عبر مضيق هرمز أن تجارة الغاز المسال العالمية تبقى مرتبطة بشدة بالممرات البحرية الاستراتيجية، وأن أي اضطراب سياسي أو عسكري في المنطقة يمكن أن ينتقل بسرعة إلى أسعار الطاقة في أوروبا وآسيا على السواء. كما أن اعتماد شركات الشحن والمشترين على تدفقات منتظمة من الخليج يجعل الثقة في أمن الملاحة عاملاً أساسياً في استقرار السوق.
وفي الوقت الراهن، تبدو الأسواق في مرحلة إعادة تسعير سريعة بين سيناريوين متناقضين: الأول يقوم على تهدئة جيوسياسية تسمح بعودة التدفقات وتخفف الأسعار، والثاني يحذر من أن أي تأخير في إصلاح المنشآت أو أي انتكاسة أمنية جديدة قد يعيد الضغوط بقوة أكبر. وبين هذين الاحتمالين، تظل شحنات الغاز المسال مؤشراً مباشراً على اتجاه السوق في الأسابيع المقبلة.
ومع استمرار الطلب الآسيوي، وتراجع مستويات التخزين الأوروبية، ومراقبة المستثمرين لأي إشارات إضافية من الخليج، تبقى أسواق الغاز عرضة لتقلبات سريعة، حتى بعد التحسن النسبي في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.