تعديل جديد في توقعات النفط
خفض بنك الاستثمار الأميركي «غولدمان ساكس» تقديراته لسعر خام برنت القياسي خلال الربع الرابع من العام إلى 80 دولاراً للبرميل، بعد أن كانت عند 90 دولاراً في تقديراته السابقة. كما قلّص البنك متوسط توقعه لأسعار النفط في عام 2027 إلى 75 دولاراً للبرميل، مقارنة بتقدير سابق بلغ 80 دولاراً.
ويأتي هذا التعديل في أعقاب اتفاق أولي بين الولايات المتحدة وإيران يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز على الفور، وهو ما دفع البنك إلى إعادة تقييم مسار الإمدادات في واحدة من أهم نقاط عبور النفط في العالم. ويمثل هذا الخفض المراجعة الثانية لتقديرات البنك خلال أسبوع واحد، بعد تعديل سابق طال آفاق الأسعار طويلة الأجل.
عودة الإمدادات إلى مستويات ما قبل الحرب
أشار محللو البنك إلى أنهم باتوا يتوقعون عودة صادرات النفط الخليجية إلى مستوياتها الطبيعية قبل نهاية يوليو المقبل، وهو إطار زمني أقصر من التقدير السابق الذي كان يرجّح اكتمال التعافي اللوجستي بحلول نهاية أغسطس. ويعكس ذلك قناعة متزايدة بأن مسارات النقل البحري والإمداد ستستعيد جزءاً كبيراً من طاقتها التشغيلية خلال أسابيع، لا أشهر.
وتحمل هذه التوقعات أهمية خاصة لأن مضيق هرمز يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط الخام والمنتجات المكررة من المنطقة. وأي تحسن في انسيابية الحركة البحرية يضغط عادة على الأسعار، بسبب انحسار علاوة المخاطر المرتبطة بتعطل الإمدادات.
الأسواق تستجيب سريعاً
تراجعت أسعار النفط في التداولات الأخيرة مع استمرار إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية. وجاء هذا الهبوط بعد انخفاض بنحو 5 في المائة في الجلسة السابقة، لتستقر الأسعار قرب أدنى مستوياتها منذ أوائل مارس. وبالتوازي، انعكست التوقعات الجديدة على قرارات مؤسسات مالية أخرى كانت قد رفعت أسعارها المستهدفة خلال فترات التوتر السابقة.
كما خفّض «غولدمان ساكس» تقديراته لخام غرب تكساس الوسيط، متوقعاً وصوله إلى 80 دولاراً في 2026، ثم 70 دولاراً في 2027، بدلاً من 75 دولاراً في التقدير السابق. وتوضح هذه المراجعات أن الأسواق تتحرك بسرعة من سيناريو اضطراب المعروض إلى سيناريو عودة فائض المرونة في الإمدادات.
تباين واضح بين البنوك الاستثمارية
شهدت الأسابيع الماضية فروقاً واسعة في تقديرات المؤسسات المالية الكبرى بشأن اتجاه النفط، مع اختلاف فرضيات كل بنك حول مدة إغلاق المضيق وسرعة عودة الشحن. ففي حين بنى بعض المحللين رؤيتهم على استمرار الانقطاع لفترة طويلة، افترض آخرون استعادة تدريجية للحركة البحرية خلال فترة قصيرة.
- سيتي بنك: رفع تقديراته سابقاً لبرنت إلى 110 دولارات للربع الثاني من 2026، ثم 95 دولاراً للربع الثالث، قبل أن يستقر عند 75 دولاراً لعام 2027.
- يو بي إس: افترض بقاء المضيق مغلقاً، وتوقع تجاوز الأسعار 150 دولاراً، مع مستهدف عند 100 دولار بنهاية يونيو.
- ماكواري: طرح سيناريو متشائم وصل فيه النفط إلى 200 دولار إذا طال أمد الحرب خلال الصيف، مع متوسط 2026 عند 89.28 دولار.
- باركليز: ربط التوقعات بسرعة التطبيع، مشيراً إلى أن عودة الحركة خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع قد تدفع الأسعار إلى نحو 85 دولاراً، بينما التأخر أكثر قد يعيدها إلى مستوى 100 دولار.
ماذا تعني المراجعة للأسواق؟
تُظهر هذه التقديرات أن علاوة المخاطر الجيوسياسية يمكن أن تتلاشى بسرعة عندما تتراجع احتمالات الانقطاع الفعلي للإمدادات. وبالنسبة للمستثمرين وشركات الطاقة والمستهلكين الصناعيين، فإن خفض التوقعات لا يعني فقط سعراً أقل للنفط، بل أيضاً تغيراً في استراتيجيات التحوط والتخزين والعقود الآجلة.
كما أن عودة التوازن إلى مضيق هرمز قد تعيد تركيز السوق إلى أساسيات العرض والطلب، بدلاً من الاعتماد على سيناريوهات الحرب والاضطراب. وفي هذا السياق، يصبح مسار الإنتاج لدى كبار المنتجين، ومستويات المخزونات العالمية، وسياسات أوبك+، عوامل أكثر تأثيراً في تحديد اتجاه الأسعار خلال النصف الثاني من العام.
قراءة أوسع لمشهد الطاقة
يعكس التطور الأخير هشاشة التسعير في أسواق الطاقة حين تتداخل الجغرافيا السياسية مع تدفقات التجارة العالمية. فمجرد إعلان عن اتفاق أولي لإعادة فتح ممر بحري استراتيجي كان كافياً لإطلاق موجة خفض في التوقعات السعرية، بعدما كانت الأسواق تتعامل مع سيناريوهات شديدة التشدد بشأن الإمدادات.
وبينما قد تبدو الأسعار الحالية أقل حدة من ذروة الأزمة، فإن السوق لا يزال حساساً لأي تحول جديد في مسار الاتفاق أو سرعة تنفيذ ترتيبات إعادة التشغيل اللوجستي. لذلك، ستبقى الفترة المقبلة اختباراً لمدى استقرار حركة الشحن، وقدرة المنتجين على استعادة مستويات التصدير السابقة دون اختناقات كبيرة.