تحذير أممي من صدمة طاقة تمتد إلى الاقتصادات الأضعف
حذرت وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية من أن أي تعطّل كبير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز قد ينعكس سريعاً على كلفة المعيشة والنمو في عدد واسع من الاقتصادات الهشة حول العالم. وبحسب تقديراتها، فإن نحو 983 مليون شخص يعيشون في 75 اقتصاداً شديد التأثر، بينها دول أقل نمواً ودول جزرية صغيرة، قد يواجهون ارتفاعاً في الأسعار وتباطؤاً في النشاط الاقتصادي إذا استمرت الضغوط على أسواق النفط.
ويأتي هذا التحذير في وقت تراقب فيه الأسواق العالمية تطورات التوترات المرتبطة بأحد أهم الممرات الحيوية لشحنات الطاقة. فمضيق هرمز لا يمثل مجرد نقطة عبور جغرافية، بل عقدة مركزية في سلاسل الإمداد العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس على أسعار الخام والمنتجات المكررة وتكاليف النقل والتأمين والتمويل التجاري.
وترى الأونكتاد أن العبء الأكبر يقع على الدول التي تعتمد على الاستيراد لتأمين احتياجاتها من الوقود، ولا سيما تلك التي تمتلك مساحة محدودة للمناورة المالية أو تعتمد على دعم حكومي واسع للطاقة. وفي هذه الحالات، يتحول ارتفاع الأسعار العالمية من مشكلة تجارية إلى ضغط مباشر على الموازنة العامة ومستويات التضخم والخدمات الأساسية.
فاتورة واردات أعلى وضغط على الأولويات الحكومية
بحسب التقديرات الواردة في التحذير، فإن زيادة مستدامة في أسعار النفط بنسبة 50% قد ترفع إجمالي فاتورة واردات النفط لدى الاقتصادات الأكثر هشاشة بأكثر من 20 مليار دولار سنوياً. وهذه الزيادة ليست رقماً محاسبياً فقط، بل تعني عملياً أن الحكومات ستضطر إلى إعادة ترتيب الإنفاق بين شراء الوقود وتمويل الصحة والتعليم والبنية التحتية وبرامج الحماية الاجتماعية.
وتشير الأونكتاد إلى أن 65 اقتصاداً من أصل 75 في هذه الفئة تعد مستوردة صافية للنفط، ما يجعلها أكثر عرضة للصدمات المرتبطة بالإمدادات والسعر. كما أن معظم هذه الدول تستورد الوقود في شكل منتجات مكررة، وليس خاماً، وهو ما يضاعف أثر الاضطرابات إذا ارتفعت هوامش التكرير أو تعقّدت سلاسل الشحن.
وفي 2024، شكّلت المنتجات المكررة 97.8% من صافي واردات النفط لدى هذه الاقتصادات، وهو مؤشر يوضح محدودية القدرات المحلية على التكرير والبدائل السريعة في حال تعطل الإمدادات التقليدية. ومع غياب هذه المرونة، تصبح أي قفزة في الأسعار العالمية أكثر حدة وأسرع انتقالاً إلى الأسواق المحلية.
دول محددة تواجه أثراً يفوق حجمها الاقتصادي
التحذير الأممي يبرز أيضاً تباين الأثر بين دولة وأخرى، إذ قد يكون ثقيلاً على بعض الاقتصادات الصغيرة مقارنة بحجم ناتجها المحلي. وتقدّر الأونكتاد أن فاتورة واردات النفط في موريتانيا قد ترتفع بما يعادل 7.3% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما قد تسجل غامبيا زيادة بنسبة 6.3%، وبوركينا فاسو 5%، وليبيريا 4.8%، في حين قد تواجه زامبيا وليسوتو زيادة تقارب 4.3% لكل منهما.
أما في الاقتصادات الجزرية، فقد تكون الضغوط أشد بسبب ضعف بدائل الإمداد واعتماد النقل البحري والجوي على الوقود المستورد. وتشير التقديرات إلى أن فانواتو قد تشهد ارتفاعاً في كلفة الواردات يعادل 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما قد تصل الزيادة في المالديف إلى 5.2%. كما ستتأثر تونغا وموريشيوس وفيجي بدرجات مختلفة.
هذا النوع من الصدمات لا يقتصر عادة على فاتورة الاستيراد، بل ينعكس أيضاً على أسعار الغذاء والسلع الأساسية، لأن ارتفاع تكلفة الوقود يرفع كلفة الشحن الداخلي والخارجي معاً. وفي الاقتصادات الصغيرة التي تعتمد على الاستيراد في جزء كبير من احتياجاتها الاستهلاكية، يمكن أن تنتقل الصدمة بسرعة من سوق الطاقة إلى سلة المستهلك اليومية.
اعتماد مباشر على الإمدادات المرتبطة بالخليج
أحد جوانب الخطر التي سلّطت الأونكتاد الضوء عليها هو تركز مصادر الإمداد لدى بعض الدول في المنطقة الخليجية. فسيشيل، على سبيل المثال، تستورد تقريباً كامل احتياجاتها النفطية من دول مرتبطة بممر هرمز، بينما تحصل أوغندا على أكثر من 60% من إمداداتها من المنطقة نفسها. كما تعتمد موريشيوس وتنزانيا وزامبيا والمالديف وموريتانيا بدرجات متفاوتة على الواردات المرتبطة بهذا المسار الحيوي.
هذا الاعتماد الجغرافي يجعل البحث عن موردين بديلين أمراً معقداً ومكلفاً في آن واحد. فحتى عندما يكون بالإمكان تنويع المصادر، فإن ذلك غالباً ما يأتي بأسعار أعلى أو بشروط نقل وتمويل أكثر صرامة. كما أن استبدال الإمدادات لا يحدث فوراً، بل يتطلب ترتيبات لوجستية وعقوداً جديدة وقدرات تخزين ونقلاً قد لا تكون متاحة في الاقتصادات الصغيرة.
ومن هنا، لا ينظر التحذير إلى مضيق هرمز باعتباره مسألة جيوسياسية فقط، بل كعامل أساسي في معادلة الأمن الاقتصادي العالمي. وأي إغلاق طويل أو تعطيل حاد يمكن أن يفرض على الدول المستوردة خيارات صعبة بين قبول أسعار أعلى أو خفض الاستهلاك أو الضغط على الاحتياطيات الأجنبية.
أثر يمتد إلى التضخم والعملة والتمويل
تؤكد الأونكتاد أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يتوقف عند مستوى محطات الوقود، بل يمتد إلى قطاعات أوسع عبر سلاسل التوريد. فزيادة كلفة الشحن والنقل البري والبحري تعني ارتفاع أسعار السلع المستوردة، بينما يؤدي ذلك بدوره إلى تسارع التضخم، خصوصاً في الدول التي تعتمد على الواردات لتلبية جزء كبير من احتياجاتها الغذائية والدوائية والصناعية.
كما أن تزايد فاتورة الاستيراد يوسع عجز الحساب الجاري ويضغط على العملات المحلية، خاصة عندما تكون الاحتياطيات الأجنبية محدودة أو عندما تتزامن الصدمة مع ضعف في تدفقات الاستثمار والتحويلات. وفي هذه البيئة، قد ترتفع كلفة الاقتراض الخارجي ويصبح الوصول إلى التمويل أكثر صعوبة، ما يفاقم هشاشة المالية العامة.
وتحذر الوكالة من أن الاقتصادات التي لا تمتلك حيزاً مالياً كافياً ستجد نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات صعبة: هل تحمي المستهلك من ارتفاع الأسعار عبر الدعم، أم تحافظ على التوازن المالي، أم تقلص الإنفاق على مشاريع التنمية؟ وغالباً ما تكون النتيجة مزيجاً من الضغوط الثلاثة.
دعوة إلى دعم دولي لتخفيف الصدمة
ترى الأونكتاد أن الاقتصادات النامية، ولا سيما الأقل نمواً منها، تحتاج إلى دعم أكثر مرونة عندما تتعرض لصدمات طاقة عالمية لا تتحكم فيها. فبدون هذا الدعم، قد تتسع الفجوة بين الدول القادرة على امتصاص الأزمات وتلك التي لا تملك أدوات كافية للحماية.
وتقول الوكالة إن استمرار الضغوط على سوق الطاقة يمكن أن يهدد التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة، لأن ارتفاع الأسعار يلتهم الموارد المخصصة للتعليم والصحة والبنية التحتية ويزيد من هشاشة الفئات ذات الدخل المنخفض. وفي النهاية، يصبح أمن الطاقة جزءاً من أمن التنمية ذاته، وليس ملفاً قطاعياً منفصلاً.
ويختصر التحذير الأممي الصورة بوضوح: حين تضيق حركة المرور في مضيق هرمز، لا ترتفع فقط تكاليف الشحن والتأمين، بل تتقلص أيضاً قدرة الاقتصادات الأضعف على التنفس المالي والاستثماري. وفي عالم شديد الترابط، تتحول صدمة الطاقة إلى اختبار مباشر لقدرة الدول على الصمود والتكيف.