الأعمال والاقتصاد الرقمي 11-Jun-2026 5 دقائق قراءة

أسعار الغاز في أوروبا ترتفع مع اضطراب الإمدادات وتزايد مخاطر الشرق الأوسط

ارتفعت عقود الغاز الأوروبية بشكل طفيف مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتراجع الإمدادات النرويجية بسبب أعمال الصيانة، بينما بقيت مستويات التخزين في الاتحاد الأوروبي دون متوسطات العام الماضي.

تحرك محدود في سوق الغاز الأوروبية

سجلت عقود الغاز الطبيعي في أوروبا ارتفاعاً طفيفاً في بداية تعاملات الأربعاء، في وقت بقيت فيه الأسواق حساسة للتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط ولأي إشارات جديدة عن الإمدادات. وجاء التحرك المحدود للأسعار بعد موجة من القلق المرتبط بتجدد المواجهات بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب توقعات بانخفاض تدفقات الغاز النرويجية بسبب أعمال صيانة مجدولة.

ويعكس هذا الأداء الحذر حالة الترقب التي تسيطر على المتعاملين، إذ لم يعد السوق يتفاعل فقط مع أساسيات العرض والطلب، بل أيضاً مع احتمال اتساع أثر الاضطرابات السياسية على سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً في وقت لا تزال فيه أوروبا تعمل على تعزيز أمن الطاقة بعد سنوات من التقلبات الحادة.

وبحسب بيانات بورصة إنتركونتيننتال، ارتفع العقد الهولندي القياسي للشهر الأول في مركز تي تي إف بمقدار 0.58 يورو ليصل إلى 49.33 يورو لكل ميغاواط/ساعة بحلول الساعة 08:16 بتوقيت غرينيتش. كما صعد العقد البريطاني الآجل للشهر الأول بمقدار 1.43 بنس إلى 118.62 بنس لكل وحدة حرارية.

التوترات الجيوسياسية تضيف علاوة مخاطر

يرى محللون أن التصعيد الجديد بين الولايات المتحدة وإيران أضعف الآمال في الوصول إلى تهدئة سريعة، وهو ما أضاف علاوة مخاطر إلى أسعار الطاقة في أوروبا. وفي سوق الغاز، غالباً ما تؤدي مثل هذه التطورات إلى ارتفاعات محدودة سريعة، حتى عندما لا يكون هناك انقطاع فعلي في الإمدادات، لأن المتعاملين يسعّرون احتمالات التعطل قبل وقوعه.

وقال محللون إن السيناريو الحالي لا يشير بالضرورة إلى قفزة حادة في الأسعار، لكنه يكفي لدفع السوق بعيداً عن الهدوء النسبي الذي ساد خلال الأسابيع الماضية. ومع غياب أخبار مؤكدة حول تغييرات جوهرية في العرض أو الطلب، تبقى التحركات اليومية محكومة بحجم المخاطر السياسية وبمدى قربها من مسارات الإمداد العالمية.

وفي هذا السياق، أشار محللون في شركة إنجي إنرجي سكان إلى أن استمرار التوترات يجعل العودة إلى الظروف الطبيعية أمراً غير مرجح في الوقت الراهن، كما يضعف فرص تعافٍ مستدام في واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال خلال الأجل القريب.

الصيانة في النرويج تشدّد السوق

إلى جانب العوامل الجيوسياسية، يواجه السوق الأوروبي ضغوطاً من جانب المعروض بعد تراجع تدفقات الغاز النرويجية منذ يوم الخميس الماضي. وتعد النرويج من أبرز موردي الغاز إلى القارة الأوروبية، ما يجعل أي خفض في صادراتها مؤثراً بشكل مباشر على المعنويات السعرية.

وأوضح ساكو جوسيلا، المحلل في مجموعة بورصة لندن، أن مزيج التوترات في الشرق الأوسط وتراجع الإمدادات النرويجية يرجح أن يبقي الأسعار في نطاق عرضي، مع ميل طفيف للصعود خلال الجلسة.

وبحسب التقديرات، ستؤدي أعمال الصيانة في حقل ترول النرويجي ومحطة كولسنيس للمعالجة إلى خفض الإمدادات بنحو 46 مليون متر مكعب يومياً من الخميس حتى 15 يونيو. ورغم أن هذه الأعمال مؤقتة، فإن توقيتها يزيد من حساسية السوق في ظل مناخ عالمي يتسم بقلق متصاعد بشأن استقرار الإمدادات.

وتتعامل الأسواق الأوروبية عادة مع مثل هذه الانخفاضات باعتبارها اختباراً لمرونة النظام، خاصة عندما تتزامن مع ارتفاع الطلب الموسمي أو مع اضطرابات في أسواق الغاز المسال العالمية. وفي هذه الحالة، يبدو أن المستثمرين يفضّلون الاحتفاظ بمراكز حذرة إلى حين اتضاح الصورة.

المخزونات دون مستويات العام الماضي

تكشف بيانات البنية التحتية للغاز في أوروبا أن مواقع التخزين في الاتحاد الأوروبي كانت ممتلئة بنسبة 42.79 في المائة، مقارنة بـ51.4 في المائة خلال الفترة نفسها من العام الماضي. وتظل هذه الفجوة عاملاً مهماً في تسعير العقود الآجلة، لأن مستويات التخزين المنخفضة تقلل من هامش الأمان المتاح أمام أي صدمة مفاجئة في الإمدادات.

ويتابع المتعاملون هذه البيانات عن قرب لأنها تقدم مؤشراً على قدرة القارة على مواجهة ذروة الطلب المقبلة. وكلما اتسعت الفجوة بين المخزون الحالي ومتوسطاته التاريخية، زادت احتمالات أن تكون السوق أكثر عرضة للتقلبات مع اقتراب مواسم الاستهلاك المرتفع.

كما أن وضع التخزين المنخفض نسبياً يأتي في وقت تحاول فيه أوروبا موازنة التحول نحو مصادر طاقة أكثر استقراراً مع استمرار الاعتماد الجزئي على الغاز في توليد الكهرباء والصناعة والتدفئة. ويجعل هذا الواقع أي اضطراب إضافي في الإمدادات أكثر حساسية من الناحية السعرية.

سوق تنتظر مؤشرات أوضح

تشير حركة الأسعار الحالية إلى أن سوق الغاز الأوروبية لا تزال في مرحلة ترقب، أكثر من كونها في اتجاه صعودي واضح. فالعوامل الدافعة موجودة، لكن تأثيرها ما زال محدوداً في ظل غياب انقطاع كبير أو أزمة معروض واسعة النطاق.

وفي المدى القصير، ستبقى ثلاثة عناصر رئيسية هي الأكثر تأثيراً: تطورات الشرق الأوسط، وسرعة عودة الإمدادات النرويجية بعد الصيانة، ومستويات التخزين داخل الاتحاد الأوروبي. وأي تغير ملموس في أحد هذه الملفات قد يحرّك الأسعار خارج النطاق الضيق الذي سيطر عليها أخيراً.

أما حتى الآن، فتبدو السوق وكأنها توازن بين مخاوف جيوسياسية متجددة وبين أساسيات عرض لا تزال قادرة على امتصاص الصدمات، ولو بشكل مؤقت. لذلك، يظل الارتفاع المسجل في العقود الأوروبية أقرب إلى استجابة احترازية منه إلى بداية موجة صعود واسعة.