تواجه الهند ضغوطاً متزايدة على مركزها الخارجي مع هبوط الروبية إلى مستويات قياسية هذا العام، في وقت تتزامن فيه صدمة أسعار الطاقة مع خروج أموال أجنبية من سوق الأسهم. ورداً على ذلك، تحركت السلطات النقدية والمالية بمجموعة من الإجراءات المصممة لزيادة تدفقات الدولار إلى الداخل، وتهدئة الضغوط على العملة، وتقليص العجز المحتمل في ميزان المدفوعات خلال السنة المالية الحالية.
ويأتي هذا التحرك بينما يقدّر اقتصاديون أن ارتفاع أسعار النفط بعد الصراع مع إيران، إلى جانب عمليات بيع من قبل مستثمرين أجانب للأسهم الهندية، قد يوسّع الفجوة الخارجية للاقتصاد. لذلك، اتجه بنك الاحتياطي الهندي والحكومة إلى مزيج من الحوافز الضريبية والمالية والقيود التجارية، في محاولة لدعم السيولة الدولارية دون اللجوء إلى قيود شاملة على حركة الأموال.
حزمة لزيادة جاذبية السندات الهندية
من أبرز الإجراءات التي أُعلنت، إلغاء ضريبة أرباح رأس المال البالغة 12.5 في المائة على المستثمرين الأجانب في السندات الهندية، إلى جانب إلغاء ضريبة بنسبة 20 في المائة على عوائد الفائدة. وتسري هذه التعديلات ابتداءً من 1 أبريل 2026، في خطوة تهدف إلى جعل أدوات الدين الهندية أكثر تنافسية للمستثمرين العالميين.
كما شمل القرار إعفاء بنك التسويات الدولية من هذه الضرائب، وهو ما يعكس رغبة السلطات في توسيع قاعدة المشترين المحتملين للسندات السيادية. وبالتوازي، أعلن بنك الاحتياطي الهندي أن نطاقاً أوسع من السندات الحكومية سيصبح متاحاً للاستثمار الأجنبي من دون سقف محدد للملكية الأجنبية، في رسالة واضحة مفادها أن نيودلهي تريد جذب الأموال طويلة الأجل أكثر من الاعتماد على التدفقات السريعة قصيرة الأمد.
وتُعد سوق السندات أداة مهمة في إدارة الضغوط الخارجية، لأن دخول رؤوس أموال جديدة إليها يضيف طلباً على الروبية ويخفف الحاجة إلى السحب من الاحتياطيات أو ترك العملة تتراجع بوتيرة أسرع.
استقطاب ودائع الهنود غير المقيمين
في المسار نفسه، قدّم البنك المركزي حوافز للبنوك من أجل استقطاب ودائع بالعملات الأجنبية من الهنود غير المقيمين. وبموجب هذه الترتيبات، سيتحمل البنك المركزي تكلفة التحوط الخاصة بالودائع التي تتراوح آجالها بين ثلاث وخمس سنوات حتى 30 سبتمبر 2026.
هذا النوع من الإجراءات يستهدف شريحة تمتلك عادةً مدخرات بالعملات الصعبة ويمكن أن تضخها في النظام المصرفي المحلي إذا توفرت الشروط المناسبة. ومن الناحية العملية، يسهم التحوط المدعوم من البنك المركزي في خفض تكلفة المخاطر على البنوك، ما يجعل هذه الودائع أكثر جاذبية بالنسبة للمودعين والمؤسسات على حد سواء.
كما يراهن صناع السياسة النقدية على أن هذه الأموال يمكن أن تشكل مصدراً سريعاً نسبياً للدولار، في وقت تتعرض فيه العملة المحلية لضغوط من جانب الواردات المرتفعة وتراجع شهية المستثمرين الأجانب للمخاطرة في الأسواق الناشئة.
دعم الاقتراض بالعملات الأجنبية
ضمن الأدوات الأخرى، قرر بنك الاحتياطي الهندي تقديم سعر تفضيلي لعمليات المبادلة للشركات المملوكة للدولة، في إطار تشجيع الاقتراض بالعملات الأجنبية. ودخلت هذه التسهيلات حيز التنفيذ فوراً وتستمر حتى 30 سبتمبر 2026.
هذا النوع من التسهيلات يخفف كلفة التمويل على بعض المؤسسات الكبرى، ويمنحها مساحة أوسع لإدارة احتياجاتها من النقد الأجنبي من دون زيادة الضغط المباشر على السوق الفورية. كما يساعد الحكومة على التعامل مع الطلب على الدولار بطريقة أكثر انضباطاً، خاصة إذا ارتفع تمويل الواردات أو المشروعات الرأسمالية عبر القنوات الرسمية.
لكن هذا الخيار يظل حساساً، لأن الإفراط في الاقتراض الخارجي قد يرفع مخاطر سعر الصرف لاحقاً إذا تراجعت الروبية أكثر، وهو ما يفسر اللجوء إلى هذا المسار بشكل انتقائي وليس واسع النطاق.
تشجيع مشاركة الهنود غير المقيمين في الأسهم
رفعت الهند أيضاً الحدود القصوى المسموح بها لاستثمارات الهنود غير المقيمين في الأسهم، في خطوة كانت قد أُشير إليها أولاً ضمن الموازنة الاتحادية السنوية في فبراير الماضي. ويُنظر إلى هذا القرار بوصفه محاولة لتوسيع القاعدة الاستثمارية المحلية واستقطاب رساميل من الجالية الهندية في الخارج.
ويملك هؤلاء المستثمرون عادةً ارتباطاً طويل الأجل بالسوق الهندية، ما يجعلهم أقل تقلباً من بعض الصناديق الدولية. ومن ثم، فإن فتح المجال أمامهم للاستثمار في الأسهم قد يوفر مصدراً إضافياً للدولار ويعزز الثقة في السوق المالية المحلية، خاصة إذا تزامن ذلك مع إجراءات أخرى تدعم العائد النسبي للأصول الهندية.
تقليص فترة إعادة حصيلة الصادرات
في خطوة أخرى لرفع كفاءة تدفق العملات الأجنبية، خفّض البنك المركزي المهلة المسموح بها لإعادة حصيلة الصادرات إلى البلاد إلى تسعة أشهر، بعد أن كانت 15 شهراً. وكانت المهلة قد مُددت في العام الماضي بسبب التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، لكن الظروف الراهنة دفعت صانعي السياسة إلى تشديد الإطار الزمني من جديد.
الهدف من هذه الخطوة واضح: تسريع دخول عائدات التصدير إلى النظام المالي المحلي، بحيث تتوافر الدولارات في السوق بشكل أسرع وتخف حدة الضغط على الاحتياطيات. كما أن تقليص المهلة يحد من تراكم الفجوات الزمنية بين بيع السلع في الخارج وتحويل الحصيلة إلى الداخل، وهو أمر مهم في فترات الاضطراب.
تشديد على الذهب والفضة للحد من نزيف العملات
إلى جانب التحركات النقدية، لجأت الهند إلى أدوات تجارية مباشرة لخفض الطلب على العملات الأجنبية، خصوصاً من خلال رفع الرسوم الجمركية على الذهب والفضة إلى 15 في المائة في مايو، مقارنة بـ6 في المائة سابقاً. وجرى تركيب الرسوم من ضريبة أساسية بنسبة 10 في المائة، إضافة إلى رسم بنسبة 5 في المائة لصالح تطوير البنية التحتية الزراعية.
كما شددت السلطات قواعد استيراد الذهب المعفى من الرسوم والمخصص لصادرات المجوهرات، عبر تحديد سقف للواردات عند 100 كيلوغرام لكل ترخيص حتى إشعار آخر. وفي الشهر الماضي، أُدرجت واردات السبائك الفضية بدرجة نقاء 99.9 في المائة وجميع الأشكال الأخرى شبه المصنعة من الفضة ضمن فئة الواردات المقيدة، وبأثر فوري.
وتستهدف هذه الإجراءات سلعة ترتبط تقليدياً بطلب مرتفع على الدولار في الهند، سواء من جانب المستهلكين أو قطاع المجوهرات أو المضاربين. لذلك، فإن تشديد القيود عليها ينسجم مع الهدف الأساسي للحكومة: تقليل التسرب الدولاري من خلال تقليص الواردات غير الضرورية أو الأقل أولوية.
رسالة لتقليص الاستيراد غير الضروري
ورغم أن الهند لم تفرض قيوداً على السفر، فإن رئيس الوزراء ناريندرا مودي دعا في مايو المواطنين إلى تجنب السفر الخارجي غير الضروري، كما حث على العمل من المنزل لتوفير الوقود والمساعدة في تقليل واردات النفط المرتفعة الكلفة. وتكشف هذه الرسائل عن توجّه أوسع لإدارة الطلب على العملات الأجنبية عبر السلوك الاستهلاكي أيضاً، وليس فقط عبر الأدوات المالية.
وفي موازاة ذلك، خفف بنك الاحتياطي الهندي في فبراير ومارس الحد الأقصى لصافي مراكز النقد الأجنبي المفتوحة التي يمكن للبنوك الاحتفاظ بها، بهدف كبح المراكز المضاربية على الروبية. وهذه الخطوة مهمة لأن المضاربات قد تضخم تراجع العملة في أوقات التوتر، حتى لو لم يكن الأساس الاقتصادي يبرر كل هذا الهبوط.
الخلاصة: مزيج دفاعي واسع النطاق
تعكس الحزمة الأخيرة أن الهند تتعامل مع الضغوط الخارجية على الروبية بوصفها تحدياً مركباً، يجمع بين فاتورة نفط أعلى، وتدفقات رأسمالية أضعف، وطلب متزايد على الحماية من جانب الشركات والبنوك والمستثمرين. ولهذا، فضلت السلطات استخدام مجموعة من الأدوات المتوازية: تحفيز السندات، واستقطاب ودائع المغتربين، وتشجيع التمويل الخارجي المنضبط، وتسريع عودة حصيلة الصادرات، وتشديد استيراد الذهب والفضة.
وبينما قد لا تعالج هذه الخطوات كل أسباب الضعف الخارجي دفعة واحدة، فإنها ترسم ملامح استراتيجية واضحة: حماية الاحتياطيات، دعم العملة، وشراء الوقت للاقتصاد حتى تهدأ الضغوط العالمية على الطاقة ورأس المال.