أبقى بنك إنجلترا سعر الفائدة الرئيسي من دون تغيير عند 3.75 في المائة خلال اجتماعه في يونيو، في إشارة واضحة إلى أن صناع السياسة النقدية ما زالوا يتعاملون بحذر مع مشهد اقتصادي يتسم بعدم اليقين، خصوصاً مع بقاء الضغوط التضخمية فوق المستوى المستهدف وتزايد أثر التطورات الجيوسياسية على أسعار الطاقة.
وجاء القرار ضمن مسار يميل إلى التريث أكثر من التسرع، في وقت يوازن فيه البنك بين مؤشرات تباطؤ النشاط الاقتصادي من جهة، وإمكانية عودة التضخم للارتفاع من جهة أخرى. وصوّتت أغلبية 7 أعضاء من أصل 9 لصالح تثبيت الفائدة، بينما دعمت عضوتان رفعها بمقدار 25 نقطة أساس، ما يعكس استمرار الانقسام داخل لجنة السياسة النقدية بشأن سرعة التحرك المقبلة.
نهج يقوم على التثبيت مع إبقاء الخيارات مفتوحة
يفسر مسؤولون في البنك هذا القرار ضمن ما بات يُعرف بـ"التثبيت الفعّال"، أي الإبقاء على مستوى تشديد نقدي يظل مؤثراً في الاقتصاد حتى لو لم يجرِ رفع الفائدة في الاجتماع الحالي. والفكرة هنا أن عدم خفض الفائدة، في ظل توقعات سابقة كانت تميل إلى التيسير، يظل بحد ذاته موقفاً متشدداً نسبياً في مواجهة التضخم.
هذا التوجه يختلف عن بعض البنوك المركزية الكبرى الأخرى التي اتجهت مؤخراً إلى رفع الفائدة أو الإشارة بوضوح إلى تشديد إضافي. كما يعكس اقتناعاً داخل البنك بأن أي خطوة متسرعة قد تكون مكلفة إذا تبين لاحقاً أن الضغوط السعرية بدأت تهدأ تلقائياً، أو أن نمو الاقتصاد يفتقر إلى القوة الكافية لتحمل تشديد جديد.
وفي الأسواق، لم يمر القرار دون أثر. فقد شهد الجنيه الإسترليني تراجعاً محدوداً مقابل الدولار، مواصلاً ضغوطاً شهدها في الأيام السابقة، وسط قناعة لدى المستثمرين بأن أي رفع جديد للفائدة البريطانية قد لا يحدث قريباً، وربما لا يكون مرجحاً قبل نهاية العام ما لم تتغير البيانات بشكل واضح.
أسعار الطاقة تعيد التضخم إلى الواجهة
أحد الأسباب الرئيسية وراء تمسك البنك بالحذر يتمثل في استمرار حساسية الاقتصاد البريطاني لأي اضطراب في أسواق الطاقة. فالبلاد تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة، ما يجعل أي تصعيد في التوترات الجيوسياسية أو أي اضطراب في الإمدادات ذا أثر مباشر على تكلفة المعيشة وأسعار السلع والخدمات.
ورغم أن الهدنة المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران خففت بعض المخاوف المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز وبقاء أسعار النفط مرتفعة، فإن بنك إنجلترا لم يرَ أن هذه التطورات كافية لتبديد المخاطر. فالتوقعات تشير إلى احتمال ارتفاع التضخم مجدداً إلى ما فوق 3.25 في المائة في الربع الأخير من العام، بعد أن كان عند 2.8 في المائة في مايو.
كما رفع البنك تقديره للنمو الاقتصادي بشكل طفيف إلى 0.2 في المائة على أساس ربع سنوي، مقارنة بتقدير سابق عند 0.1 في المائة، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن البيانات الشهرية الأخيرة لا تزال ضعيفة، وأن الصورة العامة لا تزال غير مستقرة بما يكفي لتبرير تحرك سريع في السياسة النقدية.
انقسام داخل لجنة السياسة النقدية
أظهر التصويت داخل اللجنة وجود اتجاهين رئيسيين: الأول يفضّل الانتظار ومراقبة التطورات، والثاني يرى أن التضخم ما زال مرتفعاً بما يكفي ليبرر رفع الفائدة الآن. وذهبت ميغان غرين وهيو بيل إلى أن تشديد السياسة النقدية كان سيكون مناسباً في هذا الاجتماع، في حين فضّلت غالبية الأعضاء الإبقاء على المعدلات الحالية.
ودافعت بعض الأصوات داخل اللجنة عن الحاجة إلى تحرك استباقي لتفادي ترسخ توقعات التضخم لدى الأسر والشركات، خصوصاً أن المؤشرات المرتبطة بتوقعات المستهلكين وصلت في بعض القياسات إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2009. ويخشى مؤيدو هذا الاتجاه من أن استمرار الأسعار المرتفعة لفترة أطول قد يجعل معالجتها لاحقاً أكثر كلفة وصعوبة.
في المقابل، يرى آخرون أن التسرع في رفع الفائدة قد يضغط على النشاط الاقتصادي أكثر مما هو مطلوب، لا سيما في ظل تباطؤ بعض المؤشرات المحلية واستمرار الضبابية في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد. ومن هنا جاء الإصرار على أن إبقاء الفائدة دون تغيير لا يعني التخلي عن مكافحة التضخم، بل اختيار توقيت أكثر ملاءمة لأي خطوة لاحقة.
الرسالة إلى الأسواق: لا خفض قريباً ولا استبعاد للتشديد
المحصلة الأساسية لقرار بنك إنجلترا هي أن الباب لم يُغلق أمام أي تحرك جديد، لكنه أيضاً لم يُفتح على مصراعيه لخفض الفائدة. فالبنك يريد أن يبعث برسالة مزدوجة إلى الأسواق مفادها أن التضخم لا يزال مصدر قلق، وأن السياسة النقدية ستبقى مقيدة ما لم تظهر دلائل أقوى على تراجع الضغوط السعرية.
وتتزامن هذه الرسالة مع إعادة تسعير متزايدة لتوقعات الفائدة عالمياً، بعدما أصبح المستثمرون أكثر حساسية لأي إشارات صادرة عن البنوك المركزية الكبرى بشأن مسار الأسعار. وفي هذا السياق، باتت كل بيانات التضخم والنمو وسوق العمل عامل ترجيح مهم في تحديد ما إذا كان بنك إنجلترا سيواصل التثبيت أو يذهب لاحقاً إلى تشديد إضافي.
كما أن تحركات البنوك المركزية الأخرى تزيد من تعقيد المشهد. فمع توجه بعض المؤسسات النقدية الكبرى إلى رفع الفائدة أو الإبقاء على نبرة متشددة، يصبح على بنك إنجلترا أن يوازن بين حماية الاقتصاد المحلي من جهة، والحفاظ على مصداقيته في كبح التضخم من جهة أخرى.
توقعات الفترة المقبلة
السيناريو الأقرب في الوقت الراهن هو استمرار النهج الحذر حتى تتضح آثار التطورات الجيوسياسية على أسواق الطاقة، وتتوافر بيانات أكثر صلابة حول التضخم والنمو. وإذا ثبت أن أسعار الطاقة عادت إلى الاستقرار وأن الضغوط السعرية بدأت تتراجع بوتيرة مقنعة، فقد يجد البنك مساحة أكبر للإبقاء على الفائدة دون تغيير لفترة أطول. أما إذا استمرت الأسعار في التماسك أو عادت توقعات التضخم إلى الارتفاع، فقد يعود خيار الرفع إلى الطاولة.
وبين هذين المسارين، يبدو أن بنك إنجلترا اختار في هذه المرحلة أقل الخيارات كلفة: الإبقاء على الفائدة، ومراقبة البيانات، وترك السوق يتعامل مع رسالة مفادها أن مكافحة التضخم لم تنتهِ بعد، حتى لو لم تبدأ مرحلة تشديد جديدة فوراً.