09-Jul-2026 4 دقائق قراءة

الأجور في بريطانيا تتجاوز التوقعات مع تراجع البطالة قبل قرار بنك إنجلترا

أظهرت بيانات رسمية أن نمو الأجور في بريطانيا جاء أعلى من المتوقع في الأشهر الثلاثة المنتهية في أبريل، بالتزامن مع انخفاض غير متوقع في البطالة، ما يعزز صورة سوق عمل ما زالت متماسكة قبل إعلان بنك إنجلترا قراره بشأن الفائدة.

أجور أعلى من المتوقع تعكس استمرار قوة سوق العمل

أظهرت أحدث البيانات الرسمية في بريطانيا أن الأجور واصلت النمو بوتيرة أقوى مما كان يتوقعه الاقتصاديون خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في أبريل (نيسان)، في إشارة إلى أن سوق العمل لا تزال تحتفظ بقدر من المتانة رغم التباطؤ الاقتصادي وتراجع الطلب في بعض القطاعات.

وبحسب الأرقام، بلغ متوسط نمو الأجور الأسبوعية، باستثناء المكافآت، 3.4 في المائة على أساس سنوي، وهو مستوى جاء أعلى من تقديرات السوق التي كانت ترجح هبوطه إلى 3.2 في المائة. وفي الوقت نفسه، تراجع معدل البطالة بشكل غير متوقع إلى 4.9 في المائة مقارنة مع 5.0 في المائة في القراءة السابقة، ما يعكس استمرار التماسك النسبي في التوظيف.

وتحمل هذه البيانات أهمية خاصة لأنها صدرت قبل ساعات من إعلان بنك إنجلترا قراره الجديد بشأن أسعار الفائدة، في وقت يراقب فيه صانعو السياسة النقدية عن كثب أي مؤشرات على عودة الضغوط التضخمية عبر الأجور.

بنك إنجلترا يوازن بين تباطؤ الاقتصاد وضغوط الأسعار

يركز البنك المركزي البريطاني على سوق العمل باعتبارها أحد أهم المؤشرات التي تحدد مسار التضخم خلال الأشهر المقبلة. فكلما ظل نمو الأجور مرتفعاً، ازدادت صعوبة عودة الأسعار إلى مستويات أكثر استقراراً، خصوصاً إذا ظلت إنتاجية الاقتصاد ضعيفة.

وفي هذا السياق، يرى البنك أن نمو الأجور فوق 3 في المائة قد يظل عائقاً أمام تحقيق استقرار دائم للتضخم عند مستهدفه البالغ 2 في المائة، حتى لو بدأت ضغوط الأسعار الأخرى في التراجع. كما يراقب تأثير ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالتوترات الجيوسياسية، إذ قد ينعكس ذلك على التكاليف التشغيلية ويعيد بعض الزخم إلى الضغوط السعرية.

ومن المتوقع على نطاق واسع أن يبقي بنك إنجلترا أسعار الفائدة عند 3.75 في المائة في اجتماعه الحالي، مع ترجيحات بأن يميل إلى التريث إلى حين تبلور صورة أوضح بشأن التضخم والطلب المحلي وسوق العمل.

التضخم ما زال تحت تأثير صدمات سابقة

تأتي هذه التطورات بعد سنوات من تقلبات حادة في الاقتصاد البريطاني، خصوصاً منذ ذروة التضخم التي بلغها عام 2022 عند 11.1 في المائة عقب الحرب الروسية في أوكرانيا. وخلال تلك الفترة، بقي نمو الأجور فوق 5 في المائة لنحو ثلاث سنوات، وهو ما عقد مهمة بنك إنجلترا في إعادة التضخم إلى المستهدف.

ورغم أن المشهد الحالي أقل سخونة من تلك المرحلة، فإن البنك لا يزال حذراً. فالتباطؤ في النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة انحسار المخاطر السعرية بالكامل، خاصة إذا بقيت سوق العمل قادرة على توليد زيادات في الأجور تفوق وتيرة انخفاض التضخم.

كما أن ضعف الإنتاجية يضيف طبقة أخرى من التعقيد؛ إذ يجعل أي ارتفاع في الأجور أكثر قابلية للانتقال إلى الأسعار النهائية، بدلاً من امتصاصه عبر تحسين الكفاءة أو زيادة الناتج.

بيانات التوظيف تكشف تراجعاً محدوداً في الزخم

إلى جانب بيانات الأجور والبطالة، أظهرت مؤشرات أخرى من مكتب الإحصاءات الوطنية أن عدد العاملين على كشوف الرواتب ارتفع بنحو 2000 وظيفة في مايو (أيار)، وفق بيانات تستند إلى سجلات الضرائب. لكن هذه القراءة تبقى عرضة لمراجعات كبيرة، وهو ما يجعلها أقل حسماً في قراءة اتجاه سوق العمل على المدى القصير.

وفي المقابل، جرى تعديل الانخفاض المسجل في أبريل من 100 ألف وظيفة إلى 53 ألفاً، ما يشير إلى أن التراجع في التوظيف ربما كان أقل حدة مما ظهر أولاً. ومع ذلك، فإن تراجع الوظائف الشاغرة يقدم صورة أكثر وضوحاً عن فتور تدريجي في الطلب على العمالة.

فقد انخفض عدد الوظائف الشاغرة خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في مايو بمقدار 19 ألف وظيفة ليصل إلى 707 آلاف، وهو أدنى مستوى منذ أوائل عام 2021، وبفارق كبير عن الذروة التي سجلت نحو 1.3 مليون وظيفة في 2022 عندما كانت السوق أكثر سخونة بكثير.

ما الذي تعنيه هذه الأرقام للأسواق وصانعي القرار؟

بالنسبة للأسواق المالية، تمثل بيانات الأجور والبطالة عنصراً محورياً في توقع مسار السياسة النقدية البريطانية. فإذا استمرت الأجور في النمو بوتيرة تتجاوز تقديرات بنك إنجلترا، فقد يضطر البنك إلى إبقاء الفائدة مرتفعة مدة أطول من المتوقع، حتى لو كان الاقتصاد يواجه ضغوطاً على النمو.

أما إذا استمر تباطؤ الوظائف الشاغرة وتراجع الطلب على العمالة، فقد يكتسب البنك المركزي مساحة أكبر لتخفيف السياسة النقدية لاحقاً. لكن هذا السيناريو يعتمد على مدى سرعة هبوط التضخم واستقرار سوق الطاقة، إلى جانب قدرة الشركات على امتصاص تكاليف الأجور من دون رفع الأسعار.

وبصورة عامة، تعكس البيانات الأخيرة اقتصاداً بريطانياً يقف عند نقطة توازن دقيقة: الأجور لم تهدأ بما يكفي لطمأنة بنك إنجلترا بالكامل، لكن سوق العمل لم تنكسر أيضاً إلى درجة تستدعي استجابة عاجلة. لذلك، سيبقى القرار المرتقب بشأن الفائدة محكوماً بميزان حساس بين كبح التضخم وتجنب إضعاف النشاط الاقتصادي أكثر من اللازم.