الأعمال والاقتصاد الرقمي 22-Jun-2026 5 دقائق قراءة

صندوق النقد يخفض توقعات نمو منطقة اليورو إلى 0.9% ويرفع تقديرات التضخم مع تفاقم صدمة الطاقة

خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو منطقة اليورو هذا العام مع تصاعد صدمة أسعار الطاقة المرتبطة بالحرب في إيران، بينما رفع تقديراته للتضخم وسط ضغوط إضافية على الاستهلاك وثقة الأسر. ويضع التقرير البنك المركزي الأوروبي أمام معادلة صعبة بين كبح الأسعار ودعم النشاط الاقتصادي.

صدمة الطاقة تعيد خلط التوقعات الاقتصادية

خفض صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو منطقة اليورو هذا العام، محذراً من أن الاضطراب المستمر في أسواق الطاقة سيضغط على النشاط الاقتصادي ويزيد الضغوط التضخمية في الوقت نفسه. ويأتي هذا التعديل في لحظة حساسة للاقتصاد الأوروبي، الذي يواجه أصلاً تباطؤاً في الطلب وضعفاً في ثقة المستهلكين، قبل أن تضيف الحرب الدائرة في إيران موجة جديدة من عدم اليقين.

وبحسب الصندوق، فإن الارتفاعات الأخيرة في أسعار النفط والغاز، حتى لو اعتُبرت مؤقتة، لا تمر من دون أثر. فمثل هذه القفزات عادة ما تنعكس سريعاً على كلفة المعيشة، وعلى قرارات الإنفاق لدى الأسر والشركات، الأمر الذي قد يحد من النمو ويؤخر أي تعافٍ أوسع في منطقة اليورو.

توقعات أقل للنمو وأعلى للتضخم

أظهر التحديث الجديد أن صندوق النقد يتوقع نمو اقتصاد منطقة اليورو بنسبة 0.9% فقط خلال العام الحالي، مقارنة بتقدير سابق بلغ 1.1% في أبريل. وفي المقابل، رفع تقديراته للتضخم إلى 2.8% من 2.6% في القراءة السابقة، في إشارة إلى أن أثر أزمة الطاقة يتجاوز مجرد تقلبات مؤقتة في الأسواق.

كما يتوقع الصندوق أن يتحسن النمو إلى 1.2% في عام 2027، ما يشير إلى أن الانحسار الحالي يُنظر إليه كمرحلة ضغط مؤقتة، لا كتحول طويل الأمد في مسار الاقتصاد الأوروبي. لكن هذا السيناريو يبقى مرهوناً بقدرة الأسواق على استيعاب صدمات الإمدادات واستعادة قدر من الاستقرار في أسعار الطاقة.

ويرى الصندوق أن التضخم الحالي يتجاوز نطاقاً مريحاً بالنسبة للاقتصادات الأوروبية، خصوصاً إذا استمرت صدمة الطاقة لفترة أطول. فكلما طال أمد الاضطراب، زادت احتمالات انتقاله إلى بقية أسعار السلع والخدمات، مع ما يعنيه ذلك من اتساع الفجوة بين تكاليف الإنتاج والقوة الشرائية للمستهلكين.

مضيق هرمز يضيف عنصراً حاسماً في السوق

التطورات الجيوسياسية في المنطقة انعكست مباشرة على أسواق الطاقة، إذ أدت الحرب إلى تعطّل جزء من تدفقات النفط والغاز عبر البحر، وسط مخاوف من استمرار القيود على الإمدادات لعدة أشهر. ويعد أي اضطراب في هذا المسار البحري الحيوي عاملاً شديد الحساسية للأسواق العالمية، نظراً لدوره في نقل كميات كبيرة من الطاقة من الخليج إلى المستهلكين حول العالم.

وأشار التقرير إلى أن أي أضرار تصيب منشآت الإنتاج أو النقل يمكن أن تترك أثراً ممتداً، وليس مجرد صدمة قصيرة الأجل. وفي هذه الحالة، لا يقتصر التأثير على الأسعار المباشرة للنفط والغاز، بل يمتد أيضاً إلى كلفة النقل والإنتاج وسلاسل التوريد، ما يضاعف التحديات أمام الشركات الأوروبية.

ويحذر صندوق النقد من أن صدمة أكثر استدامة في الطاقة قد تدفع التوقعات التضخمية إلى مستويات أعلى، حتى لو بدأت بعض المؤشرات على الطلب في التراجع بفعل ضعف الثقة أو الضغوط المالية على الأسر. وبذلك تصبح أوروبا أمام معادلة دقيقة: أسعار أعلى من جهة، ونمو أضعف من جهة أخرى.

البنك المركزي الأوروبي أمام اختبار صعب

التقرير يسلط الضوء أيضاً على التحدي الذي يواجه البنك المركزي الأوروبي، الذي تحرك بالفعل برفع سعر الفائدة القياسي إلى 2.25% في محاولة للحد من التضخم دون إغراق الاقتصاد في مزيد من الضعف. ومع ذلك، فإن استمرار صدمة الطاقة يعني أن السياسة النقدية وحدها قد لا تكون كافية لاحتواء الموجة التضخمية.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد خفض توقعاته لنمو 2026 إلى 0.8% من 0.9%، بينما رفع تقديراته للتضخم إلى 3%، وهو مستوى أعلى بكثير من مستهدفه الرسمي البالغ 2%. ويعكس ذلك قناعة متزايدة لدى صانعي السياسة بأن السيطرة على الأسعار ستظل مهمة صعبة ما دام جانب العرض يواجه اضطرابات مستمرة.

ويرجح صندوق النقد أن يقدم المركزي الأوروبي على زيادة إضافية بمقدار ربع نقطة مئوية قبل نهاية العام، في خطوة قد تعزز مكافحة التضخم لكنها تحمل في الوقت نفسه مخاطر إضافية على الاستثمار والطلب الائتماني. فكل رفع للفائدة يضيف عبئاً جديداً على الشركات المقترضة والأسر التي تعتمد على التمويل.

أولوية الحكومات: ضبط التوقعات وتجنب تفاقم العجز

في المقابل، يدعو صندوق النقد الحكومات الأوروبية إلى التركيز على تثبيت توقعات التضخم وتخفيف آثار الصدمة ضمن الهوامش المالية المتاحة، مع الحذر من اللجوء إلى إنفاق واسع قد يفاقم العجز العام. فالدعم المالي قد يكون ضرورياً في حالات محددة، لكنه قد يصبح مكلفاً إذا تحول إلى سياسة شاملة غير موجهة.

ويعني ذلك أن صناع القرار أمام خيارين صعبين: إما تقديم دعم مباشر للأسر والقطاعات المتضررة من ارتفاع الطاقة، أو الحفاظ على الانضباط المالي لتجنب ضغوط إضافية على الموازنات العامة. وفي كلتا الحالتين، يبقى العامل الحاسم هو سرعة استعادة الاستقرار في أسواق النفط والغاز.

كما أن ضعف ثقة المستهلكين قد يكون أحد أكثر الآثار خطورة في المدى المتوسط، لأن أي تراجع في الإنفاق الاستهلاكي ينعكس على أداء قطاعات التجزئة والخدمات والإنتاج الصناعي. ولذلك لا تنحصر آثار الصدمة في الطاقة فحسب، بل تمتد إلى دورة الاقتصاد الأوسع داخل منطقة اليورو.

اقتصاد أوروبي بين تباطؤ مؤقت واحتمالات أطول

رغم أن الصندوق ما زال يتوقع نمواً إيجابياً لمنطقة اليورو، فإن الصورة العامة تشير إلى اقتصاد يتحرك في مساحة ضيقة بين الضغط التضخمي والضعف في التوسع. وإذا استمرت اضطرابات الطاقة لفترة أطول، فقد تنتقل المنطقة من مرحلة التباطؤ المؤقت إلى بيئة أكثر صعوبة على صعيد الاستثمار والإنفاق وفرص التوظيف.

وفي الوقت الراهن، يبقى العامل الأبرز هو مدى قدرة الأسواق والمؤسسات النقدية على احتواء أثر الحرب في إيران على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة. فكلما طال أمد الاضطراب، أصبحت توقعات النمو أكثر هشاشة، وأصبح خفض التضخم أكثر تعقيداً، وهو ما يفسر لهجة التحذير الواضحة في أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي.