الأعمال والاقتصاد الرقمي 20-Jun-2026 5 دقائق قراءة

البنك المركزي الأوروبي يرفع الفائدة 25 نقطة أساس مع تصاعد ضغوط الحرب على التضخم والنمو

رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة الرئيسية 25 نقطة أساس وسط توقعات بارتفاع التضخم وتباطؤ النمو، في ظل صدمة أسعار الطاقة المرتبطة بالحرب وتزايد حالة عدم اليقين في منطقة اليورو.

رفع الفائدة في بيئة اقتصادية مضطربة

أعلن البنك المركزي الأوروبي رفع أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة بمقدار 25 نقطة أساس، في خطوة تعكس استمرار تشديد السياسة النقدية رغم مؤشرات التباطؤ الاقتصادي في منطقة اليورو. وجاء القرار في وقت تواجه فيه القارة الأوروبية ضغوطاً إضافية من صدمة أسعار الطاقة المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط، وهي صدمة ترى المؤسسة النقدية أنها قد تعيد تشكيل مسار التضخم خلال السنوات المقبلة.

وقالت رئيسة البنك كريستين لاغارد إن الهدف الأساسي لا يزال يتمثل في إعادة التضخم إلى المستوى المستهدف البالغ 2 في المائة على المدى المتوسط. وأوضحت أن المجلس سيتعامل مع التطورات وفق تقييم دوري للبيانات الاقتصادية، من دون الالتزام بمسار ثابت مسبقاً لأسعار الفائدة.

ويأتي هذا التحرك بينما يراقب المستثمرون والشركات تأثير تكاليف التمويل المرتفعة على الاستهلاك والاستثمار، في وقت تتراجع فيه الثقة الاقتصادية وتزداد المخاوف من انتقال صدمات الطاقة إلى بقية مكونات سلة الأسعار.

الحرب تضيف طبقة جديدة من الضغوط على الأسعار

حذرت لاغارد من أن الحرب في الشرق الأوسط تضيف ضغوطاً تضخمية جديدة على اقتصاد منطقة اليورو، خصوصاً عبر أسعار الطاقة. وأشارت إلى أن البنك المركزي يدرس عدة سيناريوهات لكيفية تطور الصدمة وانعكاسها على التضخم في الأجل المتوسط، لأن أثرها لا يتوقف عند الوقود أو الكهرباء، بل قد يمتد إلى الغذاء والسلع والخدمات.

وتظهر التقديرات المحدثة لفريق العمل في نظام اليورو أن متوسط التضخم قد يبلغ 3 في المائة في 2026، ثم ينخفض إلى 2.3 في المائة في 2027، قبل أن يستقر عند 2 في المائة في 2028. أما التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، فيُتوقع أن يصل إلى 2.5 في المائة في 2026 و2027، ثم 2.2 في المائة في 2028.

وتعني هذه الأرقام أن الضغوط السعرية ما زالت أعلى من المستوى المرغوب، حتى مع تراجع بعض البنود، وهو ما يفسر استمرار ميل البنك المركزي إلى الحذر في إدارة السياسة النقدية.

توقعات نمو أضعف في 2026 و2027

على صعيد النشاط الاقتصادي، عدّل البنك المركزي الأوروبي توقعاته للنمو نزولاً للعامين القادمين. وتشير التقديرات الحالية إلى نمو اقتصاد منطقة اليورو بنسبة 0.8 في المائة في 2026، ثم 1.2 في المائة في 2027، و1.5 في المائة في 2028.

وجرى خفض توقعات 2026 و2027 نتيجة تأثير الحرب على أسواق السلع والدخل الحقيقي وثقة المستهلكين. فارتفاع تكلفة الطاقة يضغط على القوة الشرائية للأسر، ويجعل الشركات أكثر حذراً في خطط التوسع والتوظيف، كما أنه قد يحد من النشاط الصناعي والخدمي إذا طال أمد الاضطراب.

ورغم هذا التباطؤ المتوقع، لا يرى المركزي الأوروبي أن الاقتصاد دخل في مسار انكماشي حاد. بل يصف الوضع بأنه مزيج من نمو ضعيف وضغوط تضخمية لا تزال فوق المستوى المستهدف، وهو وضع يضع السياسة النقدية أمام معادلة صعبة بين كبح الأسعار ودعم النشاط.

مؤشرات مختلطة من سوق العمل والنشاط

أظهرت البيانات الأخيرة أن اقتصاد منطقة اليورو نما في الربع الأول بدعم من الطلب المحلي والصادرات، بعد تعديل أثر عامل مؤقت في آيرلندا. لكن هذا التحسن النسبي لا يخفي علامات التباطؤ التي بدأت بالظهور مع تصاعد أثر الحرب على الأسواق.

في قطاع الخدمات، بدت مؤشرات التباطؤ أكثر وضوحاً، بينما أبدت الصناعة قدراً أكبر من الصمود بفضل مستويات المخزون والإنفاق الدفاعي. كما ظل سوق العمل متماسكاً نسبياً، إذ استقرت البطالة عند 6.3 في المائة في أبريل، وهو مستوى قريب من أدنى درجاته التاريخية، رغم أن وتيرة خلق الوظائف أخذت في التراجع.

هذه الصورة المختلطة تمنح البنك المركزي الأوروبي هامشاً محدوداً للتحرك. فاستمرار متانة سوق العمل يمنع حدوث تراجع حاد في الاستهلاك، لكنه في الوقت نفسه لا يكفي لتعويض آثار ارتفاع الطاقة وضعف الثقة وتراجع الطلب في بعض القطاعات.

الطاقة تقود التضخم والأنظار على انتقال الأثر

ارتفع التضخم السنوي في منطقة اليورو إلى 3.2 في المائة في مايو، مقارنة بـ3 في المائة في أبريل، مدفوعاً بزيادة أسعار الطاقة التي قفزت بنسبة 10.9 في المائة. وفي المقابل، تراجع تضخم الغذاء إلى 2 في المائة، بينما ارتفع التضخم الأساسي إلى 2.5 في المائة مع زيادة أسعار السلع والخدمات.

ويرى البنك المركزي الأوروبي أن الخطر الأكبر يكمن في استمرار ارتفاع أسعار الطاقة وما قد يسببه من انتقالات ثانوية إلى الأجور والتسعير العام وتوقعات التضخم. وإذا حدث هذا الانتقال، فقد تصبح استعادة الاستقرار السعري أكثر صعوبة وأطول زمناً.

ولهذا السبب يواصل البنك مراقبة البيانات الشهرية عن كثب، مع التركيز على مدى سرعة انعكاس صدمة الطاقة على بقية الاقتصاد. فكلما اتسع الأثر ليشمل الخدمات والسلع الاستهلاكية، زادت الحاجة إلى إبقاء السياسة النقدية مشددة لفترة أطول.

استعداد لسيناريوهات متعددة

أكدت لاغارد أن البنك المركزي الأوروبي «في وضع جيد» للتعامل مع حالة عدم اليقين الراهنة، في إشارة إلى أن المؤسسة لا ترى نفسها مضطرة إلى الالتزام بمسار واحد مسبقاً. وبدلاً من ذلك، سيواصل المجلس الاعتماد على البيانات والاجتماع تلو الآخر، وهي مقاربة تسمح بتعديل السياسة سريعاً إذا تغيرت المؤشرات.

وتعكس هذه المقاربة إدراكاً متزايداً داخل المؤسسة النقدية بأن التوقعات الحالية قد تتبدل بسرعة إذا طال أمد الحرب أو ارتفعت أسعار النفط والغاز أكثر من المتوقع. كما أن أي تحسن مفاجئ في أسواق الطاقة قد يخفف بعض الضغوط ويفتح المجال أمام مسار أكثر هدوءاً للفائدة لاحقاً.

لكن حتى ذلك الحين، تبدو الأولوية هي الحفاظ على مصداقية البنك في مواجهة التضخم، مع تجنب إلحاق ضرر أكبر بالنمو. وبين هذين الهدفين، يظل الاقتصاد الأوروبي في مرحلة دقيقة تتطلب توازناً شديداً بين الحذر والمرونة.