ارتفاع الإمدادات خلال مايو
سجلت صادرات الغاز الروسي المنقول عبر الأنابيب إلى أوروبا زيادة سنوية في شهر مايو، في إشارة إلى أن تدفقات الطاقة بين الجانبين ما زالت تتأثر بتغيرات مسارات النقل أكثر من تأثرها بانحسار الطلب فقط. ووفق حسابات مبنية على بيانات مجموعة نقل الغاز الأوروبية «إنتسوغ»، ارتفع متوسط الإمدادات اليومية التي تضخها «غازبروم» عبر خط «ترك ستريم» البحري إلى 47.4 مليون متر مكعب، بزيادة 3 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.
وتعكس هذه الزيادة استمرار اعتماد القارة الأوروبية على المسار البحري المتبقي لنقل الغاز الروسي، في وقت تقلصت فيه البدائل البرية بشكل كبير خلال العامين الأخيرين. كما تُظهر الأرقام أن روسيا ما زالت تحتفظ بحضور محدود لكنه مهم في سوق الغاز الأوروبي، رغم التراجع الحاد في أحجام التصدير مقارنة بذروة السنوات السابقة.
تركيا تبقى الممر الوحيد المتاح
أصبحت تركيا الممر البري والبحري الرئيسي المتبقي لوصول الغاز الروسي إلى أوروبا بعد أن قررت أوكرانيا عدم تمديد اتفاقية العبور التي استمرت خمس سنوات مع موسكو وانتهت في يناير 2025. وقد أدى هذا التطور إلى إعادة رسم خريطة الإمدادات الروسية نحو أوروبا، بحيث بات خط «ترك ستريم» يلعب دوراً محورياً في استمرار التدفقات.
وفي هذا السياق، لم تعد شبكة النقل الروسية إلى الأسواق الأوروبية تتمتع بالمرونة السابقة، إذ تقلصت خيارات العبور بشكل كبير مع تراجع دور الخطوط التقليدية عبر أوكرانيا. ويمنح هذا التحول أنقرة وزناً إضافياً في معادلة الطاقة الإقليمية، باعتبارها البوابة المتبقية تقريباً لعبور الغاز الروسي باتجاه المستهلكين الأوروبيين.
إجمالي الإمدادات يرتفع على أساس سنوي
أظهرت الحسابات أن إجمالي صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا بلغ 1.47 مليار متر مكعب في مايو، مقارنة بنحو 1.43 مليار متر مكعب في الشهر ذاته من عام 2025. ورغم أن الفارق يبدو محدوداً نسبياً، فإنه يشير إلى استقرار نسبي في التدفقات بعد شهور من الاضطرابات والتغيرات الجيوسياسية التي أصابت سوق الغاز.
وخلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، زادت الإمدادات الروسية عبر الأنابيب إلى أوروبا بنسبة 6.4 في المائة على أساس سنوي، لتصل إلى 7.76 مليار متر مكعب. ويعني ذلك أن الزيادة ليست مرتبطة بشهر واحد فقط، بل تعكس اتجاهاً أوسع نحو تعافي جزئي في الأحجام المتدفقة عبر المسارات المتبقية.
غياب بيانات غازبروم الرسمية
منذ بداية عام 2023، توقفت «غازبروم» عن نشر إحصاءاتها الشهرية المنتظمة، وهو ما يجعل الاعتماد على بيانات شركات النقل الأوروبية ومجموعات تتبع التدفقات أمراً أساسياً لرصد أداء الصادرات الروسية. ويأتي هذا الغياب في ظل الحرب الروسية الأوكرانية وما رافقها من تشديد في السرية التجارية والضغوط السياسية على قطاع الطاقة.
وبسبب هذا الفراغ في البيانات الرسمية، باتت الأرقام المستندة إلى شبكات النقل الأوروبية المرجع الأبرز لتقدير حجم الإمدادات الفعلية. وتوفر هذه المؤشرات صورة تقريبية عن وضع السوق، لكنها في الوقت نفسه تعكس صعوبة قراءة الاتجاهات بدقة كاملة في ظل غياب الإفصاح المباشر من الشركة الروسية.
تراجع كبير مقارنة بذروة العقد الماضي
رغم الارتفاع المسجل في مايو، تبقى صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا بعيدة جداً عن مستوياتها التاريخية. فقد هبطت شحنات «غازبروم» إلى أوروبا بنسبة 44 في المائة العام الماضي، لتصل إلى 18 مليار متر مكعب فقط، وهو أدنى مستوى منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، بحسب حسابات مستندة إلى بيانات السوق.
وقبل هذا التراجع الحاد، كانت روسيا تضخ نحو 180 مليار متر مكعب سنوياً إلى أوروبا عبر الأنابيب خلال ذروة 2018 و2019. ويظهر الفرق بين الرقمين مدى التحول الجذري الذي أصاب تجارة الطاقة بين روسيا والقارة الأوروبية، نتيجة الحرب والعقوبات وتبدل مسارات الإمداد واستراتيجية التنويع التي تبنتها دول الاتحاد الأوروبي.
دلالات سوقية أوسع
تشير هذه البيانات إلى أن سوق الغاز الأوروبي لم يعد يعتمد على التدفقات الروسية بالزخم السابق، لكنه لم يفقدها بالكامل أيضاً. فالزيادة الأخيرة تعكس استمرار دور الغاز في توازنات الطاقة الأوروبية، خاصة في فترات ارتفاع الطلب أو تفاوت الإمدادات البديلة. كما تبرز أهمية البنية التحتية وخطوط النقل في تحديد حركة السوق، إلى جانب العوامل السياسية والتنظيمية.
وفي الوقت نفسه، تظل التغيرات المستقبلية مرهونة بعدة عوامل، من بينها تطور العلاقات بين موسكو وكييف، واستمرار دور تركيا كممر أساسي، ومدى قدرة أوروبا على زيادة الاعتماد على مصادر أخرى من الغاز الطبيعي المسال أو الإنتاج المحلي. لذلك، فإن أي تحسن قصير الأجل في التدفقات الروسية لا يعني بالضرورة عودة السوق إلى أنماطه السابقة، بل يعكس مرحلة انتقالية أكثر تعقيداً.