الأعمال والاقتصاد الرقمي 14-Jun-2026 5 دقائق قراءة

شركات التكرير الصينية تؤجل مشروعين بطاقة 500 ألف برميل يومياً مع اضطراب إمدادات الشرق الأوسط

أجلت شركات تكرير صينية تشغيل مشروعين رئيسيين بعدما أربكت اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط خطط التوسع، في وقت تتعرض فيه هوامش التكرير لضغط من ارتفاع الخام وتراجع الطلب المحلي على الوقود.

أرجأت شركات تكرير صينية تشغيل مشروعين كان من المقرر دخولهما الخدمة هذا العام، في تطور يعكس كيف يمكن لاضطرابات الإمداد الجيوسياسية أن تعيد تشكيل خطط الاستثمار والطاقة في أكبر سوق مستورد للنفط الخام في العالم. ويؤثر التأجيل على طاقة تكريرية إجمالية تقارب 500 ألف برميل يومياً، في وقت تواجه فيه المصافي ضغوطاً مزدوجة من ارتفاع أسعار الخام وضعف الاستهلاك المحلي للوقود.

ويأتي هذا التباطؤ في توقيت حساس لقطاع التكرير في الصين، حيث تتراجع هوامش الربح نتيجة ارتفاع تكلفة شراء النفط الخام، بينما تظل الأسعار النهائية للوقود خاضعة لقيود تنظيمية تحد من قدرة الشركات على تمرير الكلفة إلى المستهلكين. كما يزيد توسع المركبات الكهربائية وتباطؤ النشاط الصناعي من الضغوط على الطلب التقليدي على البنزين والديزل.

تأجيل تشغيل مشروع هواجين أرامكو للبتروكيماويات

أحد المشروعين المتأخرين هو مصفاة «هواجين أرامكو للبتروكيماويات» في بانجين شمال شرقي الصين، وهي مشروع مشترك بين «أرامكو السعودية» و«نورينكو» الصينية و«بانجين شينتشنغ» الصناعية. وكانت الخطة الأصلية تقضي ببدء التشغيل في مايو أو يونيو، إلا أن التوقعات الحالية تشير إلى تأجيل الإطلاق إلى سبتمبر أو أوائل أكتوبر.

وتبلغ الطاقة التصميمية للمصفاة نحو 300 ألف برميل يومياً، ما يجعلها من المشاريع الكبيرة في قطاع التكرير الصيني هذا العام. ويعكس التأجيل حالة الحذر التي تتعامل بها الشركات مع بيئة إمدادات غير مستقرة، خصوصاً بعد تعطل تدفقات النفط القادمة من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز.

وبحسب تقديرات شركة استشارية متخصصة في أسواق الطاقة، فإن التشغيل قد لا يبدأ قبل الجزء الثاني من الربع الثالث، بسبب استمرار عدم اليقين بشأن توافر الخام والمواد الأولية اللازمة للمصفاة، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية.

وكانت «أرامكو» قد أعلنت في وقت سابق أنها ستزود المشروع بما يصل إلى 210 آلاف برميل يومياً من الخام خلال عام 2023، فيما يتضمن المجمع الصناعي وحدات بتروكيماوية واسعة النطاق، من بينها وحدة لتكسير الإيثيلين ووحدة لإنتاج الباراكسيلين، بما يعكس البعد الصناعي الأوسع للمشروع وليس فقط دوره في تكرير النفط.

إرجاء إعادة تشغيل مصفاة داليان إلى أجل غير مسمى

المشروع الثاني هو وحدة تكرير الخام في مصفاة داليان التابعة لـ«بتروتشاينا»، التي تبلغ طاقتها نحو 200 ألف برميل يومياً. ووفقاً لمصادر مطلعة، جرى تأجيل إعادة التشغيل إلى أجل غير مسمى، بعدما كانت الشركة تخطط لإعادتها إلى الخدمة في منتصف العام تقريباً.

وكانت هذه الخطط تستند إلى توقعات بتحسن هوامش الربح بفضل تكرير النفط الروسي بأسعار منخفضة نسبياً، لكن تلك الفجوة السعرية تقلصت بدرجة كبيرة مع تعطل الإمدادات العالمية واشتداد المنافسة على الخام الروسي. ونتيجة لذلك، فقدت المصفاة جزءاً من الميزة الاقتصادية التي كانت تدفع نحو تسريع العودة إلى الإنتاج.

هذا التطور يوضح كيف أصبحت قرارات المصافي مرتبطة ليس فقط بالقدرات الفنية أو الجداول الزمنية، بل أيضاً بحسابات التسعير وتوفر الخامات وهامش الربح الفعلي بعد التكاليف اللوجستية والتنظيمية.

هوامش التكرير تحت الضغط

شهدت هوامش التكرير في الصين تراجعاً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة، مع ارتفاع أسعار الخام العالمي بعد الاضطرابات في الشرق الأوسط، في مقابل بقاء أسعار الوقود المحلية مقيدة. ويؤدي هذا الاختلال إلى تقليص ربحية المصافي، خصوصاً تلك التي تعتمد على استيراد الخام أو تعمل ضمن عقود توريد طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، يضغط التحول المتسارع نحو السيارات الكهربائية على الطلب على المشتقات النفطية، ما يحد من قدرة المصافي على رفع معدلات التشغيل إلى مستوياتها السابقة. ووفق بيانات حكومية، انخفضت كميات الخام المعالجة في المصافي الصينية خلال أبريل إلى نحو 13.3 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ أغسطس 2022.

ويمثل هذا المستوى نحو 69 في المائة من الطاقة الإنتاجية الإجمالية المقدرة للقطاع، والتي تُقارب 19.2 مليون برميل يومياً، بناءً على تقديرات تعود لشركات التكرير الحكومية. وتفسير هذا الانخفاض لا يقتصر على الظروف المؤقتة، بل يرتبط أيضاً بتغيرات هيكلية في الطلب المحلي والاستثمار الصناعي.

آسيا تقود الإضافات الجديدة في الطاقة التكريرية

رغم التأجيلات الصينية، ما تزال آسيا تمثل المنطقة الأبرز من حيث إضافة طاقات تكريرية جديدة خلال العام الجاري. ففي الهند، من المتوقع أن تضيف شركتا «هندوستان بتروليوم» و«إنديان أويل كورب»، وهما مملوكتان للدولة، نحو 526 ألف برميل يومياً من الطاقة التكريرية.

لكن هذه الخطط ليست بمنأى عن التعثر أيضاً. فقد تأخر بدء تشغيل مشروع «بارمر» التابع لـ«هندوستان بتروليوم» عدة أشهر بعد حريق، وتوقعت الشركة أن تبدأ العمليات فيه خلال الشهر الحالي عند نحو 60 في المائة من طاقته التصميمية.

كما أعلنت «إنديان أويل كورب» في وقت سابق أن أعمال التوسعة في مصافي باراوني وغوجارات وبانيبات ستكتمل على مراحل خلال الأشهر المقبلة، بما يضيف دفعة جديدة لقدرات التكرير في السوق الهندية، التي تسعى إلى تلبية نمو الطلب الداخلي وتنويع مصادر الإمداد.

ما الذي تعنيه التطورات لسوق النفط؟

تعكس التأجيلات الأخيرة أن سوق النفط لا تتأثر فقط بحجم الإنتاج العالمي، بل أيضاً بقدرة المصافي على استيعاب الخام وتحويله إلى منتجات نهائية مربحة. وعندما تتراجع ربحية التكرير، فإن ذلك ينعكس على الطلب على الخام وعلى تدفقات التجارة الدولية، لا سيما في الأسواق الآسيوية الكبرى.

كما أن استمرار اضطراب الإمدادات من الشرق الأوسط يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى قرارات الاستثمار، إذ تميل الشركات إلى تأجيل التشغيل أو خفض الاستخدام عندما تكون تكلفة الخام مرتفعة والطلب النهائي ضعيفاً. وفي مثل هذه البيئة، تصبح المرونة التشغيلية عاملاً حاسماً في إدارة المخاطر والحفاظ على التوازن المالي.

ومع دخول مشاريع جديدة في الهند وغيرها من الأسواق الآسيوية، ستظل المنافسة على هوامش التكرير ومصادر الخام عنصرين رئيسيين في تحديد اتجاه القطاع خلال النصف الثاني من العام، خصوصاً إذا استمرت التوترات الجيوسياسية في الضغط على سلاسل الإمداد وأسعار النفط العالمية.