مفاوضات تقترب من الحسم
أفادت الهند بأنها باتت قريبة من إبرام الخطوة الأولى في اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة، بعد جولة طويلة من المحادثات التي وصفها المسؤولون بأنها معقدة ومكثفة. ويأتي هذا التطور في وقت تسعى فيه أكبر ديمقراطيتين في العالم إلى توسيع شراكتهما الاقتصادية، رغم استمرار الخلافات المرتبطة بالرسوم الجمركية وبعض الملفات التجارية الحساسة.
وقال وزير التجارة الهندي بيوش غويال إن معظم نقاط الخلاف أصبحت خلف الجانبين، مشيرًا إلى أن ما تبقى لا يتجاوز تفاصيل تحريرية محدودة في صياغة النص النهائي. وجاءت تصريحاته بالتزامن مع وصول وفد أميركي إلى نيودلهي لاستكمال ثلاث جولات إضافية من المباحثات، ما يعكس مستوى التقدم الذي أحرزه الطرفان في الأسابيع الأخيرة.
وبحسب التقديرات الهندية، فإن نحو 99 في المائة من القضايا المطروحة جرى التفاهم بشأنها، بينما لا تزال بعض البنود التقنية قيد النقاش. ويُنظر إلى هذه المرحلة باعتبارها الأساس الذي قد يفتح الطريق أمام اتفاق أوسع في وقت لاحق، إذا نجح الطرفان في تجاوز النقاط النهائية العالقة.
هدف اقتصادي كبير بين البلدين
كانت نيودلهي وواشنطن قد حددتا في فبراير هدفًا طموحًا يتمثل في رفع حجم التجارة الثنائية السنوية إلى 500 مليار دولار بحلول عام 2030. ويعكس هذا الهدف رغبة سياسية واقتصادية في مضاعفة العلاقات التجارية، لا سيما في قطاعات التكنولوجيا والصناعة والخدمات والطاقة.
ويكتسب الاتفاق المرتقب أهمية خاصة لأنه يأتي في مناخ دولي تتصاعد فيه النزعة الحمائية وتزداد فيه حساسية سلاسل الإمداد. كما أن الهند ترى في السوق الأميركية وجهة رئيسية لصادراتها الصناعية والرقمية، بينما تعتبر واشنطن الهند شريكًا استراتيجيًا قادرًا على توسيع التعاون في التصنيع والخدمات الرقمية والتكنولوجيا المتقدمة.
ومن شأن الاتفاق، إذا اكتمل، أن يخفف بعض القيود الجمركية ويمنح الشركات في الجانبين وضوحًا أكبر بشأن قواعد التبادل التجاري والاستثمار. كما قد يساهم في تحسين البيئة التنظيمية أمام قطاعات مثل البرمجيات والأجهزة الإلكترونية والمكونات الصناعية، وهي مجالات تراهن الهند على تعزيز حضورها فيها ضمن اقتصادها الرقمي المتنامي.
الرسوم الجمركية تعقّد المسار
ورغم التفاؤل الرسمي، فإن المفاوضات لم تسر بسلاسة خلال الأشهر الماضية. فقد تأثرت المحادثات بزيادة الرسوم الجمركية وبالتوترات المرتبطة بالعقوبات الأميركية على مشتري النفط الروسي. وهذه الملفات أضافت بعدًا سياسيًا واقتصاديًا إلى المفاوضات، ما جعل التوصل إلى تفاهم متوازن أكثر صعوبة.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن قرار المحكمة العليا بإلغاء زيادة جمركية سابقة فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان نقطة مفصلية أربكت المفاوضات. وردت واشنطن لاحقًا بزيادة أحادية جديدة على بعض الرسوم، مع استهداف مباشر للهند، ما عمّق الخلاف وأدخل الملف في مرحلة أكثر تعقيدًا.
كما أن الرسوم التي فُرضت في العام الماضي على واردات هندية بنسبة 50 في المائة، ردًا على شراء نيودلهي النفط الخام الروسي، شكلت عبئًا على العلاقات التجارية بين البلدين. ورغم تعليق واشنطن لهذه الإجراءات في مارس للحد من ارتفاع أسعار الوقود بسبب الحرب في الشرق الأوسط، فإن أثرها السياسي ظل حاضرًا على طاولة التفاوض.
انعكاسات محتملة على الاستثمار والتجارة
إذا تم توقيع المرحلة الأولى من الاتفاق، فمن المرجح أن ينعكس ذلك على ثقة الشركات والمستثمرين في البلدين. فالاتفاقات التجارية لا تقتصر على تخفيف الرسوم فقط، بل تمنح الشركات أفقًا أوضح بشأن سلاسل التوريد، وآليات تسوية الخلافات، وقواعد النفاذ إلى الأسواق.
بالنسبة إلى الهند، يمكن أن يدعم الاتفاق خططها لزيادة الصادرات وتنويع أسواقها وتقليل أثر التقلبات في العلاقات التجارية مع شركاء آخرين. كما أنه قد يرسخ موقعها كمركز إقليمي للصناعة والخدمات الرقمية، خاصة إذا ترافق مع تحسينات في البنية التحتية وتبسيط الإجراءات ورفع القدرة التنافسية.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن الاتفاق قد يعزز حضور شركاتها في واحدة من أسرع الأسواق نموًا في العالم. كما يتيح لواشنطن توطيد موقعها في جنوب آسيا عبر بوابة اقتصادية، في وقت تزداد فيه أهمية الهند ضمن الحسابات المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية والتحول الرقمي والتصنيع المتقدم.
خطوة أولى لا تعني نهاية الطريق
رغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال المرحلة الأولى تمثل بداية مسار تفاوضي أطول من مجرد توقيع ورقة تفاهم. فالملفات التجارية بين البلدين معقدة بطبيعتها، وتتداخل فيها المصالح الصناعية والزراعية والتكنولوجية والجمركية، وهو ما يجعل أي اتفاق نهائي بحاجة إلى توازن دقيق بين المكاسب والتنازلات.
لكن الواضح حتى الآن أن الطرفين يسعيان إلى تحويل الزخم الحالي إلى إنجاز عملي. فإبرام المرحلة الأولى خلال الفترة المقبلة سيبعث برسالة مفادها أن الجانبين قادران على إدارة الخلافات التجارية ضمن إطار تفاوضي منتظم، بدلًا من تركها تتراكم وتتحول إلى عقبة أمام العلاقات الاقتصادية الأوسع.
وفي حال نجحت المفاوضات كما يتوقع المسؤولون، فقد تصبح الاتفاقية نموذجًا لشراكة تجارية أكثر تنظيمًا بين أكبر اقتصادين ناشئين ومركز مالي وتكنولوجي مؤثر عالميًا. أما إذا تعثرت التفاصيل الأخيرة، فإن المسار سيبقى مفتوحًا لكن من دون ضمانات بشأن سرعة الوصول إلى اتفاق نهائي.