هواوي تبحث عن مسار بديل
تسعى هواوي إلى إعادة تعريف طريقة تطوير الشرائح الإلكترونية في وقت تضيق فيه الخيارات أمام الشركات الصينية بسبب القيود الأميركية على معدات التصنيع المتقدمة. وبدلاً من الاعتماد فقط على تصغير الترانزستورات، تطرح الشركة الصينية نهجاً جديداً يركز على تسريع حركة الإشارات داخل الشريحة والأنظمة الحاسوبية الأوسع.
هذا التوجه يأتي في لحظة حساسة لقطاع أشباه الموصلات في الصين، بعد أن حُرم منذ عام 2019 من الوصول إلى أحدث آلات الطباعة الضوئية فوق البنفسجية المستخدمة عالمياً في تصنيع الشرائح الأكثر تقدماً. ونتيجة لذلك، أصبح من الأصعب على الشركات المحلية ملاحقة الشركات الرائدة التي تعتمد على عمليات تصنيع أصغر وأكثر تطوراً.
منطق جديد بدلاً من قانون مور
على مدى عقود، كان قانون مور هو المرجع الأساسي في الصناعة، إذ افترض أن عدد الترانزستورات على الشريحة يتضاعف كل نحو عامين. لكن تباطؤ التقدم في التصنيع دفع الشركات إلى البحث عن بدائل، من بينها تحسين البنية الداخلية للشرائح وتقليل التأخير في انتقال البيانات بينها.
الطرح الجديد من هواوي يحمل اسم Tau Scaling Law، ويركز على خفض الزمن الذي تحتاجه الإشارات للمرور داخل الشريحة. وتقول الشركة إن هذا النهج قد يفتح الباب أمام تحسينات في الأداء والكفاءة حتى مع تباطؤ مسار التصغير التقليدي.
وتعتمد الفكرة الأساسية على أسلوب يسمى LogicFolding، يقوم على ترتيب دوائر المنطق والدوائر التناظرية والذاكرة في طبقات متداخلة وأكثر تقارباً، بما قد يرفع الكثافة ويعزز السرعة ويوفر الطاقة على مدى السنوات المقبلة.
تقنيات مألوفة لكن بتركيبة مختلفة
رغم الطابع الجديد الذي تقدمه هواوي، يرى بعض محللي الصناعة أن تقليل التأخير داخل الشرائح ليس مفهوماً ثورياً بالكامل، لأن هذا الهدف كان جزءاً من عمل المهندسين لسنوات طويلة. كما أن كثيراً من الأفكار المطروحة تقترب من تقنيات معروفة مثل التجميع ثلاثي الأبعاد، وتكديس الشرائح، وتحسين أداء النظام على مستوى أوسع.
شركات كبرى مثل TSMC اعتمدت بالفعل على تقنيات متقدمة في التجميع، بما في ذلك حلول تتيح دمج وحدات شرائح مختلفة بطريقة أكثر إحكاماً، ما يحسن الأداء ويقلل الحجم. وفي قطاع الذاكرة أيضاً، تستخدم شركات مثل SK Hynix وSamsung Electronics أساليب التكديس ثلاثي الأبعاد لإنتاج شرائح متعددة الطبقات ذات كفاءة أعلى في استهلاك الطاقة.
وتقول هواوي إن تصميمها الجديد قد يتجاوز هذه الأساليب التقليدية من خلال تقسيم المسارات الحرجة في دوائر المنطق بدقة شديدة عبر طبقات متعددة. لكن هذا الطرح ما زال بحاجة إلى إثبات عملي في منتجات تجارية واسعة الانتشار.
التحدي الحقيقي: الحرارة والتكلفة وأدوات التصميم
حتى لو نجح مبدأ التكديس المتقدم في رفع كثافة الترانزستورات، تبقى هناك عقبات تقنية مهمة. فزيادة عدد الطبقات قد تؤدي إلى ارتفاع الحرارة داخل الشريحة، ما يفرض تحديات إضافية في التبريد وإدارة الطاقة. كما أن نسب الإنتاج الناجح والتكلفة النهائية ستحدد ما إذا كان هذا النهج قابلاً للتوسع تجارياً.
وتشير خطة هواوي نفسها إلى أن الطريق ليس سهلاً. فالشركة تعترف بأن التصميم الجديد يحتاج إلى أدوات تصميم إلكتروني أكثر ملاءمة للبنى المطوية، وإلى حلول أفضل لإدارة الحرارة في أجهزة تتراوح بين الهواتف الذكية ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الكبيرة.
كما أن تغيير طريقة التصميم من تحسين المساحة على مستوى الشريحة فقط إلى تحسين النظام بالكامل اعتماداً على الزمن سيضع متطلبات جديدة على شركات أدوات التصميم الإلكتروني مثل Cadence Design Systems وSynopsys، اللتين تلعبان دوراً حاسماً في بناء خرائط الشرائح المتقدمة.
الأنظار تتجه إلى شريحة Kirin الجديدة
أكثر ما لفت الانتباه في إعلان هواوي هو ربط هذا النهج بشريحة Kirin جديدة للهواتف الذكية من المقرر إطلاقها لاحقاً هذا العام. وستكون هذه أول شريحة من الشركة تستخدم معمارية LogicFolding، بحسب ما أعلنته هواوي.
وتقول الشركة إن الشريحة الجديدة قد تحقق تحسناً في كفاءة استهلاك الطاقة بنسبة 41% مقارنة بالتصميم أحادي الطبقة السابق، إلى جانب زيادة في السرعة القصوى تقارب 13%. وإذا تحققت هذه الأرقام على نطاق إنتاجي تجاري، فستكون ذات دلالة مهمة بالنسبة للشركة.
لكن غياب بيانات واضحة عن نسب الإنتاج الناجح والتكلفة، وعدم تقديم مقارنة دقيقة مع شرائح المنافسين المصنوعة بتقنيات تصنيع أكثر تقدماً، يجعل التقييم النهائي صعباً في هذه المرحلة. لذلك يبقى السؤال الأساسي: هل يمثل هذا النهج اختراقاً حقيقياً، أم مجرد إعادة ترتيب لأدوات معروفة ضمن ظروف تصنيع أكثر صعوبة؟
ما الذي يعنيه ذلك لسوق الشرائح في الصين؟
على مستوى أوسع، تعكس خطوة هواوي اتجاهاً صينياً متنامياً للبحث عن حلول هندسية لا تعتمد فقط على الوصول إلى أحدث معدات التصنيع الغربية. ومع استمرار القيود على سلاسل الإمداد، قد يصبح الابتكار في البنية والتجميع والتصميم النظامي جزءاً أساسياً من المنافسة.
ومع ذلك، فإن الطريق إلى منافسة اللاعبين الكبار سيظل طويلاً، لأن صناعة الشرائح لا تُقاس بالوعود وحدها، بل بقدرة التكنولوجيا على الوصول إلى إنتاج مستقر وبتكلفة مقبولة. وحتى ذلك الحين، ستبقى تصريحات هواوي حول السرعة والكفاءة خطوة مهمة، لكنها غير كافية للحسم النهائي.