الأعمال والاقتصاد الرقمي 28-Jan-2026 5 دقائق قراءة

هواوي تعلن مسارًا جديدًا لتقليص الفجوة مع TSMC في تصنيع الرقائق المتقدمة

تقول هواوي إنها تعمل على مسار تقني جديد يهدف إلى تضييق الفجوة مع TSMC في الرقائق المتقدمة، مع خطط للوصول إلى تصنيع 1.4 نانومتر بحلول 2031.

تحول جديد في سباق أشباه الموصلات

تسعى هواوي إلى إعادة رسم موقعها في سوق الرقائق المتقدمة عبر مسار تقني جديد تقول إنه قد يقرّبها من مستوى الشركات العالمية الرائدة، وفي مقدمتها TSMC التايوانية. وتأتي هذه الخطوة في وقت ما تزال فيه صناعة أشباه الموصلات أحد أكثر قطاعات الاقتصاد الرقمي حساسية، نظراً لارتباطها المباشر بالحوسبة المتقدمة والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والهواتف الذكية.

وبحسب المعطيات المتداولة، تستهدف الشركة الصينية بدء تصنيع رقائق بقياس 1.4 نانومتر بحلول عام 2031، اعتماداً على تقنية تطورها داخلياً تحت اسم “لوجيك فولدينغ”. ويعني ذلك أن هواوي تحاول بناء مسار تصنيع مختلف عن المسار التقليدي الذي تعتمد عليه شركات الصناعة الكبرى، بما يسمح لها بتجاوز بعض القيود التقنية المفروضة عليها.

الفجوة التقنية مع TSMC

تُظهر المقارنة الزمنية أن TSMC ما تزال متقدمة من حيث الجدول الزمني للإنتاج واسع النطاق للرقائق نفسها، إذ كانت قد أشارت سابقاً إلى نيتها بدء الإنتاج في 2028. ورغم أن الفارق يبدو زمنياً فقط، فإن ثلاث سنوات في هذه الصناعة تمثل مساحة كبيرة جداً، لأن كل جيل جديد من الرقائق يتطلب استثمارات ضخمة، وسلاسل توريد دقيقة، وأدوات تصنيع بالغة التعقيد.

وتشير التقديرات إلى أن الفجوة الحالية بين ما تستطيع TSMC إنتاجه وما يمكن لهواوي الوصول إليه عبر شريكتها التصنيعية SMIC تقارب خمس سنوات. لذلك، فإن أي تقدم نحو 1.4 نانومتر لا يُقرأ فقط باعتباره إنجازاً هندسياً، بل باعتباره محاولة لتقليص فجوة استراتيجية في أحد أهم ميادين المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية في العالم.

ما الذي يميز تقنية LogicFolding؟

التقنية التي تطرحها هواوي تحمل طابعاً لافتاً لأنها توحي بمحاولة إعادة ترتيب عملية التصميم والتصنيع بحيث تصبح أقل اعتماداً على بعض المعدات الأكثر تقدماً في العالم. والرسالة الضمنية هنا أن الوصول إلى الرقائق المتقدمة لا يمر بالضرورة فقط عبر الأدوات نفسها التي تستخدمها الشركات الغربية والآسيوية الكبرى.

هذا الطرح يتحدى الفكرة السائدة في القطاع، والتي تعتبر أن آلات الطباعة الحجرية بالأشعة فوق البنفسجية القصوى، التي تنتجها ASML الهولندية، عنصر لا غنى عنه لإنتاج الرقائق الأكثر تقدماً بكميات كبيرة. وإذا نجحت هواوي في إثبات فعالية هذا المسار، فإن ذلك قد يفتح نقاشاً جديداً حول حدود الاعتماد على معدات بعينها في الصناعة العالمية.

أهمية القياس بالنانومتر

تُستخدم وحدة النانومتر لوصف حجم الترانزستورات داخل الرقاقة، وكلما انخفض هذا الرقم زادت قدرة الشركات على حشر عدد أكبر من الترانزستورات في مساحة أصغر. والنتيجة العملية لذلك هي شرائح أسرع وأكثر كفاءة وأقل استهلاكاً للطاقة، وهي خصائص أساسية في التطبيقات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والحوسبة عالية الأداء.

ولهذا السبب لا يُنظر إلى الانتقال من جيل إلى آخر باعتباره تحسناً تقنياً فقط، بل كعامل يؤثر في القدرة التنافسية للشركات وعلى فرصها في تزويد الأسواق بأحدث المنتجات. كما أن أي تقدم في هذا المجال ينعكس على توازنات أوسع تشمل الصناعات الدفاعية والاتصالات والخدمات السحابية.

الضغوط الأمريكية تدفع نحو الاكتفاء الذاتي

تأتي تحركات هواوي ضمن سياق أكبر من الضغوط المتصاعدة التي فرضتها الولايات المتحدة على صادرات الرقائق والمعدات المتطورة إلى الصين خلال السنوات الأخيرة. هذه القيود لم تؤثر فقط في شركات بعينها، بل دفعت بكين إلى تسريع خططها الرامية إلى تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي في سلسلة أشباه الموصلات.

وفي هذا الإطار، أصبحت هواوي واحدة من أبرز رموز هذا التوجه. فالشركة التي تتخذ من شنتشن مقراً لها تحاول أن تبرهن أن الصناعات الصينية قادرة على إيجاد حلول محلية، حتى في المجالات التي ما تزال فيها الفجوة التقنية واسعة مقارنة بالمنافسين العالميين.

تأثير مباشر في اقتصاد الذكاء الاصطناعي

لا تقتصر أهمية هذه التطورات على سوق الرقائق وحده، لأن أشباه الموصلات المتقدمة تمثل البنية التحتية الأساسية للذكاء الاصطناعي الحديث. وكلما تحسنت قدرة شركة ما على تصنيع هذه الشرائح، زادت فرصها في دعم منظومتها الرقمية، سواء في الأجهزة الاستهلاكية أو التطبيقات الصناعية أو مراكز البيانات.

كما أن السباق على الرقائق صار جزءاً من التنافس على النفوذ في الاقتصاد الرقمي العالمي. فالدولة أو الشركة التي تملك قدرة تصنيع متقدمة تمتلك بدورها ميزة مهمة في تحديد إيقاع الابتكار، وتقليل الاعتماد على الخارج، وحماية سلاسل الإمداد من الصدمات الجيوسياسية.

خريطة طريق أوسع لرقائق الذكاء الاصطناعي

في سبتمبر، كشفت هواوي عن خطة تمتد لثلاث سنوات تهدف إلى إطلاق سلسلة من رقائق الذكاء الاصطناعي، في محاولة لسد جزء من الفراغ الذي خلفه غياب شرائح إنفيديا الأكثر تقدماً عن السوق الصينية. وهذا يعني أن المسألة لا تتعلق بمنتج منفرد، بل باستراتيجية متكاملة لبناء بدائل محلية في عدة مستويات من سوق العتاد الرقمي.

ومن هنا، يمكن فهم الإعلان الأخير بوصفه جزءاً من مسار أطول تسعى فيه هواوي إلى الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة. فبدلاً من الاكتفاء بمحاولة تجاوز العقوبات والقيود، تحاول الشركة أن تطرح نموذجاً تقنياً ينافس مباشرة على أرضية الابتكار نفسها.

ما الذي يعنيه ذلك للسوق العالمي؟

إذا نجحت هواوي في تحقيق ما تعلنه، فإن النتيجة لن تكون محصورة في السوق الصينية وحدها. فصناعة الرقائق العالمية قد تشهد إعادة توزيع جديدة في النفوذ، مع زيادة الضغط على الشركات المنافسة لمواصلة الاستثمار والتسريع في الإبداع التقني. أما إذا تعثرت الخطة، فسيبقى الحدث مهمّاً لأنه يكشف مدى إصرار الصين على مواصلة الاستثمار في أحد أكثر القطاعات تعقيداً وحساسية في العصر الرقمي.

في كل الأحوال، تظل الرقائق المتقدمة عنواناً رئيسياً للصراع على المستقبل الاقتصادي، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع التجارة والسياسة والاستقلال الصناعي. وبينما تواصل TSMC تقدمها في المسار التقليدي، تراهن هواوي على أن الابتكار في منهجية التصنيع قد يختصر الطريق نحو منافسة أكثر توازناً في السنوات المقبلة.