أثارت مؤشرات عودة الطلب الصيني على المنتجات الزراعية الأميركية موجة تفاؤل في أسواق الحبوب خلال الشهر الماضي، لكن هذا الزخم تراجع سريعاً مع غياب عمليات شراء فورية تُترجم إلى عقود ملموسة. وبينما لا تزال الصين لاعباً محورياً في التجارة الزراعية العالمية، فإن تأثيرها على الزراعة الأميركية لم يعد متشابهاً بين سلعة وأخرى.
كان السوق يتوقع أن يعيد أي اتفاق تجاري جديد بين واشنطن وبكين إحياء دور الصين كأحد أبرز محركات نمو الصادرات الزراعية الأميركية. غير أن التحولات التي تراكمت خلال سنوات التوتر التجاري، إلى جانب صعود البرازيل في سوق السلع الزراعية، بدلت المعادلة. فالصين ما زالت مهمة، لكن أهميتها أصبحت أكثر تخصصاً وأقل شمولاً.
فول الصويا: الصين لم تغادر السوق بل غادرت الولايات المتحدة
أكبر تحول يظهر بوضوح في سوق فول الصويا. فقد انخفض اعتماد الصين على الإمدادات الأميركية بشكل حاد خلال السنوات الأخيرة، إلا أن ذلك لا يعني تراجع تأثيرها العالمي. فالصين ما زالت تستهلك نحو 60% من واردات فول الصويا العالمية منذ ما يقرب من عقدين، ما يجعلها الطرف الأكثر تأثيراً في توازنات العرض والطلب الدولية.
المشكلة بالنسبة للمزارعين الأميركيين أن الحصة الأكبر من هذا الطلب تحولت تدريجياً إلى أميركا الجنوبية، حيث توسعت البرازيل في الإنتاج والتصدير. ووفقاً لتقديرات وزارة الزراعة الأميركية، من المتوقع أن تهبط صادرات فول الصويا الأميركية إلى الصين في موسم 2025/2026 إلى أدنى مستوى لها منذ 19 عاماً تقريباً، بانخفاض يقارب 50% على أساس سنوي.
ورغم أن الاتفاقات التجارية الأخيرة تشير إلى احتمال تضاعف الصادرات الأميركية إلى الصين في موسم 2026/2027، فإن الصورة الأوسع لا تبدو قوية بالقدر نفسه. فالتوقعات الرسمية توحي بأن صادرات فول الصويا الأميركية إلى كل الأسواق الأخرى قد تنخفض إلى أدنى مستوى في 13 عاماً، ما يبرز أن الاعتماد على مشترٍ واحد قد يأتي على حساب أسواق أخرى.
الذرة: نمو أقوى حتى من دون الصين
على النقيض تماماً، تبدو سوق الذرة الأميركية أكثر توازناً وأقل اعتماداً على الصين. ففي موسم 2020/2021 مثلت المشتريات الصينية ما يقرب من ثلث شحنات الذرة الأميركية، وساهمت في دفع الصادرات إلى مستوى قياسي بلغ 2.75 مليار بوشل. وقتها اعتبر كثيرون أن الصين ضرورية لأي نمو إضافي في القطاع.
لكن الوقائع اللاحقة أظهرت أن نمو صادرات الذرة الأميركية يمكن أن يستمر حتى من دون مساهمة صينية مباشرة. فقد تجاوزت الشحنات الرقم القياسي السابق في 2024/2025 دون أي مشاركة تذكر من الصين، وتُظهر التقديرات الحالية أن صادرات 2025/2026 قد ترتفع إلى مستوى قياسي جديد يبلغ 3.3 مليار بوشل أيضاً من دون طلب صيني مؤثر.
السبب الرئيسي هو اتساع قاعدة المشترين واعتماد الولايات المتحدة على أسواق مستقرة وطويلة الأجل، مثل المكسيك. وهذا يعني أن الذرة أصبحت أقل عرضة لصدمة تراجع مشتريات بلد واحد، وأكثر قدرة على الاستفادة من شبكات تصدير متنوعة.
ومع ذلك، لا يعني غياب الصين أن تأثيرها انتهى تماماً. فعودة مشتريات كبيرة من هذا السوق قد تدفع الأسعار إلى الارتفاع وتغير اتجاهات التصدير، لكن السؤال الأساسي يبقى ما إذا كانت هذه العودة ستضيف طلباً جديداً أم ستزاحم المشترين الحاليين.
اللحوم: فرص تجارية تصطدم بواقع العرض المحدود
تأخذ تجارة لحوم الأبقار موقعاً وسطاً بين فول الصويا والذرة، لكنها تحمل تعقيدات مختلفة. فقد أصبحت الصين خلال السنوات الأخيرة سوقاً مهمة لمصدري لحوم الأبقار الأميركيين، وتسعى الجهات الرسمية إلى استعادة هذا الزخم بعد الاتفاق التجاري الأخير.
إلا أن ظروف السوق تجعل هذه العودة أقل سهولة مما تبدو عليه. فأسعار لحوم الأبقار في الولايات المتحدة وصلت إلى مستويات قياسية، في حين بلغ قطيع الماشية المحلي أدنى مستوى له منذ 75 عاماً، وهو وضع لا يبشر بزيادة سريعة في المعروض. وفي مثل هذا السياق، فإن أي طلب إضافي من الخارج قد يفاقم شح الإمدادات بدل أن يوسعها.
وتشير التقديرات إلى أن الصين تميل إلى شراء قطع معينة ذات قيمة أقل أو أجزاء لا يستهلكها الأميركيون بكثافة، لكن هذا لا يلغي حقيقة أن جزءاً كبيراً من الصادرات الأميركية إلى الصين يتداخل مع الاستهلاك المحلي. وبذلك، فإن توسيع التجارة قد يرفع المنافسة على الإمدادات المحدودة ويزيد الضغوط السعرية داخل السوق الأميركية.
لماذا لم يعد رد فعل السوق موحداً تجاه الصين
الاستنتاج الأهم أن السوق الزراعية لم تعد تتعامل مع الصين باعتبارها عامل تأثير واحداً على كل السلع. ففي السابق، كان أي خبر إيجابي يتعلق بالمشتريات الصينية يترجم سريعاً إلى موجة تفاؤل عامة في الحبوب والزيوت والبروتين الحيواني. أما اليوم، فأثر الصين صار أكثر تفصيلاً وتفاوتاً من قطاع إلى آخر.
هذا التغير يفسر أيضاً لماذا قفزت المراكز المضاربية في الحبوب والبذور الزيتية إلى مستويات متفائلة قياسية الشهر الماضي بمجرد ظهور احتمالات جديدة للشراء الصيني. فالمستثمرون ما زالوا ينظرون إلى الصين بوصفها محركاً رئيسياً للأسعار، حتى لو كانت طبيعة هذا المحرك قد تغيرت.
في المحصلة، لم تعد المسألة تدور حول ما إذا كانت الصين مهمة للزراعة الأميركية، بل حول أين تُحدث هذه الأهمية أكبر أثر. وفي أسواق فول الصويا والذرة واللحوم، تبدو الإجابة مختلفة في كل مرة.
خلاصة المشهد
الصين لا تزال اسماً كبيراً في التجارة الزراعية العالمية، لكنها لم تعد اللاعب نفسه بالنسبة للولايات المتحدة. ففي فول الصويا، انخفض الاعتماد عليها كثيراً مع صعود أميركا الجنوبية. وفي الذرة، ثبت أن النمو يمكن أن يستمر بفضل قاعدة واسعة من المشترين. أما في لحوم الأبقار، فإن أي توسع في التجارة يواجه قيود الإنتاج المحلي وارتفاع الأسعار.
هذا التحول لا يقلل من أهمية الصين، لكنه يوضح أن تأثيرها أصبح قطاعياً أكثر منه شاملاً، وأن الأسواق الأميركية مطالبة بقراءة أدق للعلاقة بين الطلب الصيني وكل سلعة على حدة.