16-Jul-2026 5 دقائق قراءة

تذبذب أسعار معادن LME في النصف الأول من 2026 بين صدمة الحرب وتحولات الإمدادات

شهدت أسواق المعادن الأساسية في بورصة لندن تقلبات حادة خلال النصف الأول من 2026، مع تأثيرات مباشرة وغير مباشرة للحرب في الخليج على الألمنيوم والنحاس والنيكل، مقابل مسارات أكثر استقلالية للزنك والقصدير والرصاص.

شهدت أسواق المعادن الأساسية المدرجة في بورصة لندن للمعادن خلال النصف الأول من عام 2026 موجة تذبذب واسعة، بعدما انتقلت الأسعار من التفاؤل المبكر إلى الضغوط الحادة ثم إلى درجة من التماسك النسبي. وكان العامل الجيوسياسي الأبرز هو الحرب في الخليج، التي أعادت تشكيل مزاج المتعاملين وأدخلت اضطراباً كبيراً على توقعات الإمدادات والطلب.

ورغم أن المؤشرات الكلية للسوق أظهرت نهاية الفترة في منطقة وسطى بين الصعود والهبوط، فإن أداء المعادن الفردية اتخذ مسارات متباينة للغاية. فقد تضرر بعضها مباشرة من اضطرابات الإنتاج والشحن، بينما استفادت أخرى من عجز هيكلي في المعروض أو من تطورات محلية في الأسواق الآسيوية.

الألمنيوم يتصدر أثر الصدمة الجيوسياسية

كان الألمنيوم أكثر المعادن تعرضاً للأثر المباشر للحرب، بعد تعرض مصاهر في منطقة الخليج لهجمات صاروخية، إلى جانب تراجع كفاءة الخدمات اللوجستية في مواقع أخرى. ووفق تقديرات معهد الألمنيوم الدولي، انخفض الإنتاج الإقليمي بمعدل سنوي يقارب مليوني طن متري بين فبراير ومايو.

هذا الانقطاع المفاجئ في جانب العرض دفع سعر عقد الألمنيوم لثلاثة أشهر في بورصة لندن إلى أعلى مستوى له في أربع سنوات عند 3787.50 دولاراً للطن في بداية يونيو. لكن علاوة المخاطر المرتبطة بالحرب تقلصت لاحقاً مع عودة السوق إلى تسعير احتمال استقرار نسبي في الإمدادات.

ومع ذلك، لم يعد السوق إلى وضعه السابق بالكامل. فمستويات المخزون في بورصة لندن، سواء المسجلة أو خارج الضمان، هبطت إلى ما يزيد قليلاً على 400 ألف طن، ويعود معظمها إلى معدن روسي، وهو ما يعكس استمرار شح الإمدادات حتى بعد انحسار جزء من الصدمة الأولية.

النحاس بين ضباب الطلب والعرض

دخل النحاس النصف الأول من العام في بيئة أشد تعقيداً من المعتاد. فمن جهة، يضغط أي تباطؤ محتمل في النمو العالمي على توقعات الطلب الصناعي، وهو ما يعد عاملاً سلبياً لهذا المعدن المرتبط بالنشاط الاقتصادي. ومن جهة أخرى، خلقت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز نقصاً في حمض الكبريتيك، الأمر الذي زاد الضغوط على منتجي النحاس الذين يعتمدون على تقنيات الاستخلاص بالرشح.

في سوق مركزات النحاس، تفاقم الاضطراب أيضاً مع هبوط شروط المعالجة إلى مستويات تعكس اختلالاً واضحاً في التوازن بين المصاهر والمناجم. ونتيجة لذلك، باتت بعض وحدات المعالجة تعتمد على مصادر دخل بديلة تتجاوز الربح التقليدي من النحاس نفسه.

أما سوق المعدن المكرر، فما زال يترقب قراراً تنظيمياً حساساً في الولايات المتحدة بشأن الرسوم الجمركية المحتملة. هذا الانتظار، إلى جانب استمرار جذب النحاس إلى السوق الأمريكية بسبب علاوة التسليم المحلية، دفع الأسعار إلى الحركة في نطاق جانبي بين 13000 و14000 دولار للطن منذ منتصف مايو.

ورغم هذا التذبذب، لا يزال المستثمرون يرون في النحاس قصة نقص هيكلي في المعروض على المدى الطويل، وهو ما يفسر بقاء الرهانات الصعودية حية في سوق الخيارات.

الزنك يفاجئ السوق بأداء أقوى من المتوقع

على خلاف ما كان متوقعاً في بداية العام، برز الزنك كأحد أفضل المعادن أداءً في مجموعة بورصة لندن. فالمعدن الذي لم يتعرض مباشرة لتداعيات الحرب سجل سعراً اقترب من أعلى مستوى له في أربع سنوات عند 3658 دولاراً للطن في أوائل يونيو، وأنهى الشهر مرتفعاً بنحو 14% منذ بداية العام، ليأتي في المرتبة الثانية بعد القصدير من حيث الأداء.

وكانت التوقعات السابقة تشير إلى فائض كبير في سوق الزنك العالمية خلال 2026، لكن أحدث تقديرات المجموعة الدولية لدراسة الرصاص والزنك تميل الآن إلى تسجيل عجز طفيف بدلاً من الفائض. ويركز هذا العجز خارج الصين، حيث لا تزال المصاهر تعاني ضعف الأداء، بينما تواصل الصين رفع إنتاجها تدريجياً باتجاه الاكتفاء الذاتي.

هذا التحول في المعادلة العالمية جعل السوق أكثر حساسية لأي تغير محدود في الإمدادات، ودفع المتعاملين إلى إعادة تسعير المخاطر بصورة أسرع من السابق.

النيكل يدور حول معادلة إندونيسيا

أما النيكل، فظل أسير تطورات الإنتاج الإندونيسي ومحاولات الحكومة هناك ضبط القطاع الذي نما بوتيرة سريعة. فقد ساعد تقليص حصص التعدين هذا العام على رفع سعر عقد النيكل لثلاثة أشهر إلى أعلى مستوى له في عامين عند 20000 دولار للطن في مايو.

وزاد النقص في حمض الكبريتيك القادم من الخليج الضغط على المنتجين الإندونيسيين الذين يستخدمونه في عمليات الاستخلاص بالرشح. لكن السوق سرعان ما انعكس اتجاهه بعدما انتشرت توقعات بأن جاكرتا قد تتجه إلى تخفيف القيود على حصص التعدين، ما دفع الأسعار للهبوط مجدداً نحو 16000 دولار للطن.

وفي الخلفية، لا تزال المخزونات العالمية تتراكم. فقد وصلت مخزونات بورصة لندن إلى مستوى مرتفع، بينما تجاوزت مخزونات بورصة شنغهاي للعقود الآجلة 100 ألف طن للمرة الأولى منذ عام 2016، في إشارة إلى استمرار الفائض رغم التقلبات السعرية.

القصدير يواصل مساره الصعودي والرصاص يبقى تحت ضغط الفائض

على عكس المعادن المرتبطة مباشرة بأحداث الخليج، تحرك القصدير والرصاص وفق سرديات خاصة بهما. القصدير استفاد من التوقعات المستمرة بعجز هيكلي في المعروض، مدعوماً بالطلب المتزايد على استخداماته في لحام المكونات الإلكترونية. وبفضل هذه الصورة، كان المعدن الأفضل أداءً في مجموعة LME خلال النصف الأول من 2026، محققاً مكاسب سنوية بلغت 27%.

في المقابل، ظل الرصاص مثقلاً بفائض المعروض، وأنهى الفترة بخسائر تراكمية بلغت 7%. كما استقرت المخزونات المجمعة، المسجلة وغير المسجلة، حول مستوى 500 ألف طن منذ بداية العام، وهو ما يعكس وفرة مستمرة في السوق.

وأصبح الرصاص أيضاً خياراً مفضلاً لبعض ممولي المخزون، مع نشاط ملحوظ في المراجحة بين التخزين المسجل وغير المسجل داخل مستودعات البورصة. ويعني ذلك عملياً أن السلوك المالي للمخزونات بات جزءاً من قصة السوق بقدر ما هي قصة العرض والطلب.

قراءة أوسع لمشهد السلع الأساسية

تكشف حركة المعادن في النصف الأول من 2026 أن أسواق السلع أصبحت أكثر عرضة لتقاطع السياسة الجيوسياسية مع ديناميكيات العرض الصناعي. فالمخاطر في الخليج لم تؤثر فقط في الطاقة، بل امتدت إلى الأحماض والمواد الوسيطة وسلاسل التوريد المرتبطة بإنتاج المعادن.

وفي الوقت نفسه، أظهرت المعادن التي تعتمد على عوامل محلية أو هيكلية، مثل القصدير والزنك، قدرة أكبر على رسم مسارات مستقلة نسبياً عن العناوين الجيوسياسية. أما النحاس والألمنيوم والنيكل، فبقوا الأكثر حساسية للتغيرات السريعة في الأوضاع العالمية، سواء من ناحية الإمدادات أو التوقعات الاقتصادية.

ومع استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق، يبدو أن النصف الثاني من العام سيظل رهينة توازن هش بين صدمات العرض، وقرارات السياسات التجارية، ومستوى الثقة في تعافي الطلب الصناعي العالمي.