إنتاج مستقر رغم الزلازل
قالت السلطات في فنزويلا إن إنتاج النفط في البلاد لم يشهد أي اضطراب ملحوظ بعد الزلزالين القويين اللذين ضربا مناطق واسعة الشهر الماضي وأوديا بحياة أكثر من 4500 شخص. وتأتي هذه الرسالة في وقت يمثل فيه النفط العمود الفقري للاقتصاد الفنزويلي ومصدر الإيرادات الأهم للدولة.
وأوضحت ديلسي رودريغيز، التي تتولى رئاسة البلاد بالوكالة، أن القطاع النفطي واصل العمل بصورة طبيعية خلال الفترة التي أعقبت الكارثة الطبيعية، من دون تسجيل أثر مباشر على مستويات الضخ أو على حركة الإنتاج في الحقول الرئيسية.
وتسعى كراكاس إلى تقديم صورة عن قدرة قطاع الطاقة على الصمود، في ظل حاجة ملحة إلى الاستقرار الإنتاجي والتمويل الخارجي، بعدما تآكلت طاقة البلاد النفطية خلال سنوات طويلة من الانكماش وسوء الإدارة والعقوبات.
نحو 1.2 مليون برميل يومياً
بحسب التصريحات الرسمية، كانت فنزويلا تضخ نحو 1.2 مليون برميل يومياً، وهو مستوى يُظهر زيادة تقارب 10 في المائة خلال عام واحد. كما عبّرت الحكومة عن ثقتها بإمكانية تحقيق نمو إضافي خلال العام الحالي إذا استمرت وتيرة التعافي في القطاع.
ويكتسب هذا الرقم أهمية خاصة لأن النفط لا يزال المحرك الرئيسي للاقتصاد الفنزويلي، سواء من حيث الإيرادات الحكومية أو من حيث قدرة البلاد على تمويل وارداتها والوفاء بالتزاماتها الخارجية. لذلك، يُنظر إلى أي تحسن في الإنتاج باعتباره مؤشراً على قدرة الدولة على استعادة جزء من عافيتها الاقتصادية.
ورغم التحسن الأخير، لا يزال مستوى الإنتاج بعيداً عن ذروة السنوات السابقة، ما يجعل الحفاظ على الاستقرار التشغيلي أولوية لا تقل أهمية عن التوسع في الطاقة الإنتاجية نفسها.
تموضع جغرافي حساس للحقول النفطية
يتوزع الجزء الأكبر من إنتاج النفط الخام في فنزويلا بين بحيرة ماراكايبو في الشمال الغربي وحزام أورينوكو في الشرق، وهما منطقتان تمثلان قلب الصناعة النفطية في البلاد. أما المنطقة الأكثر تضرراً من الزلزالين، وهي ولاية لا غوايرا الساحلية الشمالية، فتقع بين هاتين البؤرتين الإنتاجيتين.
هذا الموقع الجغرافي خفف من احتمالات تعرض المرافق الأساسية لأضرار كبيرة، وهو ما يفسر جزئياً استمرار النشاط من دون تعطّل واسع. كما أن تركز الإنتاج في مناطق بعيدة نسبياً عن مركز الضرر المباشر ساعد على احتواء الأثر اللوجستي والفني للزلزالين.
مع ذلك، يسلط الحدث الضوء على هشاشة البنية التحتية في بيئة تشغيلية تواجه أصلاً تحديات متراكمة، من نقص الاستثمارات إلى الحاجة المستمرة للصيانة والتحديث.
تراجع طويل الأمد ومحاولات للإنعاش
شهد إنتاج النفط الفنزويلي هبوطاً حاداً خلال العقدين الماضيين، بعدما تجاوز في مطلع الألفية الثالثة ثلاثة ملايين برميل يومياً، ثم انحدر إلى مستويات متدنية للغاية وصلت إلى نحو 350 ألف برميل يومياً في عام 2020. وجاء هذا التراجع نتيجة مزيج من الفساد وسوء الإدارة والضغوط السياسية والاقتصادية.
وتحاول الحكومة منذ فترة إعادة بناء القطاع تدريجياً عبر سياسات تستهدف تحسين بيئة الاستثمار وجذب الشركات الأجنبية، مستفيدة من أي هامش متاح لإعادة تشغيل الحقول وزيادة القدرة التصديرية. لكن مسار التعافي يبقى معقداً بسبب الحاجة إلى رؤوس أموال كبيرة وبنية تحتية أكثر كفاءة وشروط تمويل أكثر استقراراً.
ويعد رفع الإنتاج شرطاً أساسياً لتحسين الوضع المالي للدولة، خصوصاً في ظل اعتمادها شبه الكامل على العائدات النفطية لتغطية جزء كبير من نفقاتها العامة.
الاستثمار الأجنبي ضمن أولويات الحكومة
أقرت رودريغيز، التي سبق أن شغلت منصب وزيرة النفط، بضرورة إدخال إصلاحات أوسع في القطاع لدعم الاستثمار الأجنبي. وتأتي هذه الخطوات تحت ضغط الحاجة إلى تمويل عمليات الحفر والتطوير والصيانة، إضافة إلى تحديث المرافق وتخفيف القيود التي أثقلت الصناعة في السنوات الأخيرة.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً رسمياً بأن التعافي النفطي لا يمكن أن يعتمد على الموارد المحلية وحدها، بل يحتاج إلى شراكات وتقنيات ورؤوس أموال خارجية. كما أن إبقاء الإنتاج مستقراً يُعد شرطاً أولياً لأي توسع مستقبلي في الصادرات أو الإيرادات.
في المقابل، تواجه هذه المساعي تحديات تتعلق بالمخاطر التشغيلية والتقلبات السياسية وشح التمويل، وهي عوامل تجعل أي تحسن في المؤشرات النفطية هشاً ما لم يُدعَم بإصلاحات طويلة الأجل.
النفط بين الصمود والطموح الاقتصادي
يعكس الموقف الرسمي الأخير محاولة لطمأنة الأسواق والمستثمرين بأن الزلازل لم تُحدث صدمة في القطاع الحيوي. غير أن الصورة الأوسع تُظهر اقتصاداً ما زال يبحث عن توازن بين الحفاظ على الإنتاج الحالي واستعادة مستويات أعلى من النمو في قطاع الطاقة.
وفي بلد يعتمد بشكل كبير على النفط، لا يقتصر أثر استقرار الإنتاج على الأرقام الفنية فحسب، بل يمتد إلى القدرة على تأمين السيولة، واستقرار الواردات، وتعزيز الثقة في مسار الاقتصاد الكلي. لذلك، يبقى أي مؤشر على صمود الإنتاج ذا قيمة سياسية ومالية في آن واحد.
ومع استمرار الحكومة في الحديث عن نمو قوي هذا العام، ستظل قدرة فنزويلا على ترجمة هذه التوقعات إلى أرقام فعلية مرهونة بمدى نجاحها في حماية قطاع النفط من الصدمات، وجذب الاستثمارات، والحفاظ على وتيرة الضخ الحالية، أو رفعها تدريجياً خلال الأشهر المقبلة.